وكيف يكون حالنا لو هجم علينا عدونا؟ هل نجد فينا القدرة الصبر للصمود أمامه
لقد قل الصبر، وعندما يأتي رمضان نتعلم تلك الخصلة الحميدة؛ فنصبر على الجوع والعطش، ونصبرعلى الصلاة وقيام الليل، ونبذل من أموالنا للفقراء، ونتحمل أذى الناس وجهل الجاهلين، ولا شك أن في ذلك تعويد لنا على الصبر والتحمل.
فما أحوجنا إلى الصبر في ميادين كثيرة، في ميدان طلب العلم، فالعلم يحتاج إلى سهر وبحث وطول مطالعة، وكل ذلك لا بد له من صبر.
وفي ميدان الدعوة وتوجيه الناس نحتاج إلى الصبر وسعة الصدر، فالأخذ بأيدي الناس إلى الحق، وانتزاعهم من الشهوات والملذات المحرمة أمر شاق وصعب، فلا بد من التحمل. (العمر 29)
قال لقمان لابنه كما حكى الله عنه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (17لقمان) فعند دعوة الناس، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر لابد من الصبر عليهم؛ لأنك تصادمهم في شهواتهم ومألوفاتهم.
أيضا ترك العوائد السيئة والمحرمات المألوفة التي تعود عليها الإنسان سنين تركها يحتاج إلى صبر، وفي الصوم خير تربية على الصبر، بل الصوم هو الصبر،"لأن الصوم تجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة، فإن فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف البدن" (ابن رجب284)
يتربى الصائم في رمضان على الصبر عن الحلال لأنه من محظورات الصيام، وهذا فيه تربية لنا حتى نصبر عن ما حرم الله علينا، الله سبحانه حرم علينا مؤقتا الحلال في النهار؛ وأباحه في الليل؛ حتى تقوى نفوسنا على ترك الحرام طوال العمر؛ فإذا أفطر الصائم حفظ سمعه عن الحرام، وحفظ بصره من النظر والمشاهدة للحرام، وحفظ بطنه من أكل الربا والرشاوي.
فليس من العقل أن يمتثل الإنسان عند الصبر على الحلال ولا يمتثل عند الصبر على الحرام،
"فالتقرب إلى الله بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب بترك المباحات كان كمن يترك الفرض ويتقرب بالنوافل."
ولهذا المعنى والله أعلم ورد في القرآن بعد تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل؛ فإنه محرم بكل حال. (ابن رجب 292)
والصبر من أدل الدلائل على المحبة، فمن أحب الله صبر به، وصبر له، وصبرمعه،
صبر به: استعانةً، فهو المصّبر سبحانه.
وصبر له: إخلاصا ومحبّة.
وصبر معه: وهو دوران العبد مع أمر الله وأحكامه، يسير معها حيث سارت، ويقف حيث وقفت. فهو قد جعل نفسه وقفا على أوامر الله، وهذا أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصّدّيقين. (صلاح الأمة ج4ص384)
والمتأمل في الناس وما هم فيه من الذنوب؛ يجد أن سببه الشهوة (شهوة المال / الفرج/ الجاه) ، ولا علاج لها إلا بالصبر .. ، وطريق الصبر العبادة، بل القوة في العبادة.
وقد مدح الله أنبياءه بهذه الخصلة؛ القوة في العبادة فقال: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17ص) ، وقال عز وجل: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45ص)
قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة الله، المعرفة بالله.
وقال الكلبي: أولي القوة في العبادة، والصبر فيها.
وقال سعيد بن جبير: الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم.
فطريق الصبر العبادة، والقوة في العبادة؛ باغتنام مواسم الخير، والإخلاص والمتابعة.
(7) تهذيب الأخلاق:
الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، ويضعف سلطانه على الصائم، لذلك ترى الصائم يبعد عن الكذب والفحش في القول والفعل، ويتحلى بالصبر والصدق والرحمة، وتنمو في الإنسان نوازع الخير،
ففي رمضان يتربى الصائم على هذه الأخلاق الحميدة، وترك كثير من الأخلاق الذميمة، بل إن النبي حث الصائم خصوصا على ذلك فقال:"الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله او شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم" (خ/م) ، وقال النبي:"من لم يدع قول الزور العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (خ)
"قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء. (طائف المعارف ص292) "