سلمنا أن الصمد هو ما يصمد إليه العباد في أنفسهم؛ أي يقصدون إليه، فالقصد هو الدعاء والمسألة والطلب، وذلك إنما يكون بالقلوب والبواطن والأيدي والوجوه، وذلك ممتنع إلا ممن يكون بجهة منهم، فمن لا يعرف أين هو يمتنع قصده فيمتنع كونه صمدا، فهما علمان ضروريان:
أن قصد العباد ودعائهم وتوجههم بقلوبهم وظاهرهم إلى العلو، العلم الضروري بأن ما كان فوق العالم فإنه يكون في الجهة، أن ما ذكره الرازي من الدلالة العقلية التي صرفت معنى اسم الصمد إلى مجازه، لم تظهر إلا من زمن بشر المريسي بعد انقراض عصر الصحابة وأكابر التابعين وأئمتهم، ولما أظهر بشر مقالته كفره الأئمة، أن الآية نزلت عن جواب المشركين وأهل الكتاب وسؤالهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صفة ربه، فيجب حملها على الحقيقة لتكون جوابا لسؤالهم.
أما قول الرازي إن الصمد (فعل) بمعنى مفعول؛ أي مصمود إليه في الحوائج يقال له: بل تكون بمعنى الفاعل لقولهم: (أحد، وبطل) وهل لا تكون بمعنى الفاعل، وهو الصامد المتصمد في نفسه، وإن كان ذلك يستلزم أن يكون مقصودا لغيره، فهذا أرجح لوجوه: أنه قرين الاسم الواحد، فإنه قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ومن المعلوم أن الأحد بمعنى الواحد المتوحد، فكون الصمد بمعنى الصامد المتصمد أظهر في المناسبة والعدل والقياس والاعتبار.
أن الفاعل هو الأصل فإنه لا بد لكل فعل وصفة من فاعل، فكل صفة تستلزم فاعلا في الجملة، وأما المفعول فقد يكون وقد لا يكون، وهذه الصفة الصمد علم أن لها فاعلا ولم يعلم أن لها مفعولا.
أن المشركين وأهل الكتاب سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نسب ربه وماهيته وجنسه، فنزلت الآية جوابا لهم.
فوائد في العقيدة 8