الصفحة 32 من 289

ولكن التفسير الأول هو الأصل، وهو الذي يدل عليه أصل الاشتقاق، وهو المناسب للجواب عن سؤال المشركين وأهل الكتاب.

والتفسير الثاني لا ينافي التفسير الأول، بل هو دال عليه وملزوم ولازم له؛ لأنه إن كان مجتمعا في نفسه غير محتاج إلى غيره دل على أنه مصمود إليه ومقصود في الحوائج، فالتفسير الثاني مقرر للتفسير الأول ودال عليه، فلا ينافي أن يكون هو في نفسه مجتمعا لا جوف له، بل كونه في نفسه كذلك هو الموجب لاحتياج الناس إليه، فإن الحاجة إلى الشيء فرع اتصافه في نفسه، فلا يكون الأثر منافيا للمؤثر، ولا يكون الملزوم منافيا للازم، بل الأثر والملزوم دليل على المؤثر واللازم، والصمد أكمل من أن يطلق على السيد، فكون المسمى بالصمد صمدا لغيره فرع كونه صمدا في نفسه: وقيل هو الذي لا يأكل الطعام، وقيل هو الباقي بعد خلقه، ومن السلف والأئمة من قال هذا وهذا، ومثل هذا كثير في تفسير معاني أسمائه كالرحمن والجبار والإله، وغير ذلك.

وقد قررنا في غير هذا الموضع أن عامة تفاسير السلف ليست متباينة بل تارة يصفون الشيء الواحد بصفات متنوعة، وتارة يذكر كل منهم من المفسر نوعا أو شخصا على سبيل المثال؛ لتعريف السائل بمنزلة الترجمان الذي يقال له ما الخبز فيشير إلى شيء معين على سبيل التمثيل.

وادعى الرازي في تأسيسه أن الصمد اسم للمعنى الثاني ونفي المعنى الأول والتفسير الأول؛ لأنه يلزم عليه أن يكون الله جسما وهذا محال على الله، فيجب حمل الاسم واللفظ على مجازه، وهو القول بأن المعنى (واجب الوجود لذاته) والقرينة التي صرفت اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز هي الدلالة العقلية على أن معنى اللفظ وظاهره وحقيقته محال على الله تعالى.

ويجاب على ذلك بثلاثة أجوبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت