تزامن أواخر العصر الأموي وعهد ملوك الطوائف بالأندلس مع العصر العباسي بالمشرق، وقد كان هذا العصر بالمشرق جد مزدهر ونشيط بمختلف المظاهر الثقافية من أدب وفلسفة وكلام وجدل… وعلم المناظرة كهذه الفنون قد ازدهر بشكل متزايد ويرجع ذلك إلى الظروف الحسنة التي توافرت بكثرة في هذه الفترة، لعل أبرزها:
أولا-تشجيع الأمراء للمناظرة والجلوس لسماعها: إن مجالس البرامكة والمأمون كانت تكتظ بهذه المناظرات…" (1) ."
ثانيا-مشاركة الأمراء في بعض المناظرات"وأعظم من اشتهر بذلك المأمون…" (2) .
ثالثا-كثرة النحل والملل بالمشرق مدعاة للمناظرة، ومناظرة المأمون لمجوسي ثنوي دليل على ذلك (3) .
رابعا-اتساع الحركة العلمية والفلسفية والكلامية بالمشرق شجع على الانفتاح على ثقافات أخرى، الأمر الذي سيخلق تفاعلا وتناظرا في الثقافة الإسلامية بالمشرق.
خامسا-تعشب الفرق الإسلامية واختلافها العقدي سيكون أبرز عامل لشيوع المناظرات بالمشرق، ومناظرة المعتزلة مع الأشاعرة دليل واضح على ذلك (4) .
سادسا-كثرة المذاهب الفقهية مدعاة للتناظر في بعض القضايا"وفي طبقات الشافعية للسبكي أطراف من هذه المناظرات، ومما يذكر أن أبا العباس بن سريج القاضي رئيس الشافعية ببغداد كان شغوفا بمناظرة داود الظاهري، حتى توفي داود ومضى بناظر ابنه محمدا في المذهب الظاهري…" (5) .
هذا إضافة إلى عوامل أخرى ساعدت على انتشار هذا الفن كالتسامح الديني الذي طبعت به الثقافة، هذا ناهيك عن دعوة النصوص القرآنية لهذا الفن. قال تعالى"ادع إلى سبيل ربك بالمحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل /124) .
(1) -العصر العباسي الأول: شوقي ضيف ص: 457.
(2) -الشاقعي حياته: أبو زهرة ص: 60.
(3) -تاريخ الجدل: أبو زهرة ص: 240.
(4) -نفسه.
(5) -العصر العباسي الثاني: شوقي ضيف ص: 536.