الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد، فإن فن البحث والمناظرة، وما يقتضيه من آداب ومنهجية خاصة يعد من المباحث والفنون العلمية التي اهتم بها علماء الإسلام قديما وحديثا، ودرسوها دراسة مستوعبة، وتعمقوا فيها ومارسوها نظريا وعمليا بهدف صقل مواهبهم الفطرية، وتوسيع آفاقهم ومدراكهم العقلية، والإقناع بآرائهم واجتهاداتهم واستنباطهم الفكرية، وتعاطوه وساروا عليه في مختلف العلوم الشرعية واللغوية والإنسانية.
ومن ثم فإنه لم يكن عصر من العصور الإسلامية، وازدهار العلوم والمعارف المختلفة يخلو من وجود مناظرات ومحاورات ومناقشات في هذا العلم أو ذاك، وبين هذا أو ذاك، أو في هذه المسألة أو تلك من المسائل التي تكون مجال بحث ومناظرة تثري البحث العلمي وتكشف عن فكر علماء أجلاء وعباقرة أفذاذ، يتناظرون في موضوع علمي دقيق، ويعالجونه في حوار رصين، وبحث عميق حول القضايا الدينية والأصول والأحكام الفرعية، أو اللغوية والفلسفية وغيرها مما هو مدون ومبسوط في كتب التاريخ والفكر الإسلامي بتوسع وتفصيل.
ولئن كان فن البحث والمناظرة وآدابه ومنهجه قد عرف بين العلماء واشتهر في بلاد الشرقي الإسلامي، فإنه عرف وانتشر وازدهر كذلك في بلاد الغرب الإسلامي من المغرب والأندلس، بحكم ما أنجبه من علماء كبار، التقى علمهم بعلم المشرق، فكون ذلك الرصيد العلمي الهائل، والثراء الفكري والحضاري الكبير الذي يحق للأمة الإسلامية أن تعتز به في كل جيل وأوان، وان تجعل منه منطلقا وأساسا لما تصبو إليه حاضرا ومستقبلا من رقي وازدهار في كل ميدان.