النبوة، والمتأمِّل في دعوة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - لما دَعَوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما سواه من الأنداد، يظهر له جلياًّ أن دعوتهم تلك رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وبهذا تعلم أن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وأهل الحِسْبَة إنما يقتفون - بعملهم ذلك - أثر الرسل ، ويأخذون بسُنَّتٍهٍم ، ويقتدون بأمرهم ، وبحسب قيامهم بهذا الشأن يكون لهم نصيب من حفظ الله لهم وتأييده .
والناظر في طبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على ذلك ، يتضح له بِجَلاءٍ أنه تكليف ليس بالهَيِّنِ ولا باليسير ، إذ إنه يصطدم بشهوات الناس ورغباتهم ، ويقطع أهواء بعضهم وملاذَّهم ، ويكبت غرور بعضهم وكبرياءهم ، وفيهم الجَبَّار الغاشم ، والوجيه المتسلط ، والظالم الذي يكره العدل ، والمنحرف الذي يكره الاستقامة ، والبهيمّي السائم وغير السائم من عبيد الأهواء ، وفيهم من يُنكرون المعروف ويأمرون بالمنكر .
ولما كانت هذه هي طبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
مع احتفافه بالمكاره والمخاوف، فقد يعرض - بل قد عرض - لبعض الناس تساؤل مفاده: ما الذي يدفع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ورجل الحِسبة إلى هذا العمل الذي بجعله غير محتفى به ، ولا مرغوب فيه من قِبَلِ من اصطدم معهم ، أو خالف رغباتهم وقطع شهواتهم ؟ وما الذي يَحْمِلُه على هذا العمل الذي له من التَّبِعَات والمسئوليات ما لَهُ ؟ وما الذي يجعله مُقْدِمًا عليه راغبًا فيه ؟ وأيٌّ شيءٍ يجنيه من عمله ذلك ؟ وما هو مقصده من الاستمرار عليه، وقد علم بما يقوم في قلوب أولئك الذين اصطدم معهم ؟