فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 50

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، موفّق العاملين، مثيب الطائعين، من عمل له جازاه، ومن قصده حماه، ومن توكل عليه كفاه، يعلم من عبده الرغبة في الخير فيهديه سبله، وطلب الرِضا فيعطيه سؤله، وسؤال الثبات فيثبته حتى يوفيه أجله، أنعم به من رب عظيم، من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، يرضى من عبده بالعمل، وأن يفزع إليه بالرغبة والأمل، ولله في كمال ذلك العمل أجل، قضاء قضاه وعلينا الطاعة، ورزق وفاناه فلا نتأخر عنه ولا نستقدم ساعة، فإليه المفزع في كل حين، وعليه التوكل وبه اليقين.

والصلاة والسلام على من كشف الله به الغُمة، وأنار الظلمة، وأسعد به العالمين، وأسعف به العاملين، اقتدى به الصحابة فنشروا النور في الناس، وتبعهم التابعون فعملوا بجد وإخلاص وعدم يأس، وكثُر العاملون العالمون، وقلَّ المثبطون القاعدون، فتربعنا على عرش الأمم زمانًا فكنّا نِعمة وأمانًا، ونورًا وسلامًا.

ثمّ رغبنا في الدنيا وتطلعنا إليها، ونافس بعضنا بعضًا عليها، ونسينا المعاني العالية قرونًا، فأخلدنا إلى الأرض، ونسينا أن الاجتهاد في كل عصر فرض، ورضينا بالصغار من الأمور، حتى ورثنا الذلة والصغار دهورًا بعد دهور، فأصبحنا ننادي على أنفسنا بالحسرة والثبور، والهلاك وعظائم الأمور، إلا قلة قليلة عرفت طريق المجد التليد فسلكته، وباب العزة السليب فطرقته، وهذه القلة - اليوم - شاملة بين العباد، فالله المسؤول أن يحرسها، وأن يبلغها المأمول ويسعفها، فإنه تقطعت القلوب مِن هول ما خالطها، وذهلت العقول من تتابع شرور مَن صادمها.

وهذه الرسالة هي للمؤمنين الصادقين الذين عرفوا الطريق والتزموه، لكن لأسباب كثيرة ما تمسكوا به ولا لزموه، فهم يراوحون مكانهم ولا يتقدمون، وكأنهم نسوا المعاني العلية فليس لها يعملون.

هُم فتية وشباب وكهول صالحون، ما زالوا بدرب الفضيلة والخير يستمسكون، لكنهم قد غلبته عليهم الدعة والكسل، وحب الدنيا وطول الأمل، فأرادوا أن يكونوا صالحين بلا عمل ولا تبعات، ولكن هيهات هيهات، ألم يبلغهم أن"الدنيا حلوة خضرة، والله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون" [1] ، أم استغنوا عن عالي الدرجات في الجنات، التي لا يبلغها إلا الأنبياء، ورفقتهم من الصالحين والصديقين والشهداء.

فكانت هذه الرسالة مذكّرة للعاجزين مِن الثقات، الذين ملكوا كل وسائل الفوز بالعالي من النعيم المقيم ثم هم يأبون ذلك ويرضون بالقليل، فعسى أن يتضح لهم عظم ما اقترفوه بتضييعهم، وكثرة ما فرطوا فيه من حسنات بتفريطهم، والله المستعان وعليه التكلان.

وهذا الموضوع ظللت أجمع مادته سنوات؛ إذ ما أكثر ما حاضرت ووعظت وخطبت، فتجمعت مادته في ذهني، فرأيت فقراته تمثلت في كثير من الناس ممن أخالطهم، وممن أسمع أحوالهم، وصح -

(1) جزء من حديث نبوي شريف , أخرجه الإمام أبو داود , و ابن ماجه , و الطبراني و غيرهم , وجملة:"الدنيا حلوة خضرة"صحيحة , و باقي الحديث فيه ضعف , انظر"مجمع الزوائد": 10/ 249 , و"سنن الترمذي": كتاب الفتن: باب ما جاء ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة , وسنن ابن ماجة: كتاب الفتن: باب فتنة النساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت