... لقد أدرك الأعرابي - بفطرته وتجربته - أن للمكان سطوة على مستقبل ابنه، وأنه في إمكان الابن أن يختار مقدار هذه السطوة وطبيعتها، وأن يوجهها اختيارا إلى الوجهة التي يريد. فإن ضيّق، ترتبت على الضيق عواقب شتى معقدة، تمتد في جميع الاتجاهات الاجتماعية. وإن وسّع كان الأمر كذلك. ويسهل علينا تصور عواقب الضيق، وعواقب السعة. ألا يقول المثل الدارج:"الضيق يعلِّم البخل"؟ إنها الحقيقة النابعة من صميم المعايشة الاجتماعية. مادام المسكن الضيق لا يسمح لصاحبه استدعاء أحبائه. فإذا هو عزم على الأمر، بادره الضيق بالرد والصد، وضاق بهم ذرعا قبل قدومهم عليه. ولو أجرينا دراسة في"تقاطع الأرحام"لوجدنا للضيق المكاني ضلع بالغ فيه، قبل أن يكون لضيق اليد بادرة. وأن إنجاز السكن على النحو الذي نرى، يعمل على تبديد أواصر المجتمع، وقتل العلاقات الأسرية، وقطع التواصل الرحمي، وتحويل المجمعات السكنية إلى"شقق"يأوي إليها أفراد لا رابط يربطهم بماض أو نسل. همهم الأول أن لا يزعجهم أحد في فسحتهم تلك، وأن لا يزعجوا بدورهم أحدا في فسحته الخاصة. حتى صار المكان أشبه شيء بكرة زجاجية مخبرية تنعزل فيها الجرثومة الخطرة على ذاتها قبل أن تكون خطورتها على غيرها.
... إن الرحلة والحركة، تنفيان المكان ! ولا يكون النفي إلغاء للمكان، ومسحا له. وإنما النفي هو في سلب المكان خصوصية الثبوت. لأن المكان عاجز عن الفعل التدميري الذي أشرنا إليه دون شيء من الثبوت، تتباطأ فيه حركة الزمن، وتتكرر فيها دوراته بانتظام روتيني ممل. وإذا سلبنا من المكان خاصية الثبوت، أو قللنا تأثيرها بفعل الحركة، فقد قللنا من سلطان المكان، ومنحنا التحول فرصة تجديد عناصر الشخصية، بما يطرأ عليها من تجدد، تكتسبه من الأمكنة الأخرى. وإذا كانت مفارقة المكان"فيزيائيا"مستحيلة كلية، فإنه في مستطاعنا التخفيف من وطأته، وإدخال التنوع عليه، بتعديد الأمكنة وتواليها.