... لذلك كانت الرحلة عند العربي القديم عنوان الانعتاق والتحرر، يحن إليها كل حين، وكأنها جزء أساسي من تركيبته الشخصية، يألفها كل الإلف. وقد قال تعالى: { لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. } ( قريش2.1) ووجود الرحلة في الصيف والشتاء، يوقِّع السيرورة الزمنية للحياة، ويمنح للعربي جديده الذي هو في حاجة ماسة إليه. لأنه جزء من المعاش، والاستقرار، والأمن: { فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، و آمنهم من خوف. } (قريش 4.3) والرحلة - بعد - أي الانتقال من مكان إلى مكان:» مستمد من أسطورة البعث .. أما الانغلاق في مكان واحد، دون التمكن من الحركة. فإن هذه الحالة تعبر عن العجز، وعدم القدرة على الفعل، أو التفاعل مع العالم الخارجي، أي مع الآخرين.« (1) وإذا كان الله - عز وجل - قد خص قريشا بالرحلة شرقا وغربا، فإنه دعا في كثير من المواطن في كتابه الكريم إلى السياحة، والضرب في مناكب الأرض، والمرور على ديار الأقوام البائدة للتذكر والعبرة، وركوب البحار، وقطع الصحارى. بل وخص المرأة ب"السائحات".