... لقد حاول كثير من الروائيين، وهم يصفون المكان: منازلا، وسجونا، وأحياء.. وغيرها التوقف عند الحياة المنبعثة منها. وكأنها"كائنات"لها من الخصوصية ما يجعلها وهي تلامس الوافد عليها تملؤه، وتخالطه، وتتخلله، بما لديها من مشاعر، وأحاسيس. ألا ينتابنا كثير من الضيق والاختناق ونحن ندخل بعض البيوت ؟ أو نعبر بعض الشوارع ؟ أو نجلس في بعض الأمكنة ؟ وقد تسري في أجسادنا قشعريرة الخوف الغامض، والتقزز المحرج كذلك، ونحن ندخل أماكن تواجهنا أول مرة بما يملأ صدورنا توجسا وخشية. كما أننا قد نشعر بالعظمة والهيبة وضآلة النفس في مواطن يعمرها الجلال والجمال ؟
... ليس المكان إذن ذلك المعطى الخارجي المحايد، الذي نعبره دون أن نأبه به، وإنما المكان"حياة"لا يحده الطول والعرض فقط، وإنما خاصية"الاشتمال". ما دمنا نجد في الاشتمال معنى اللباس، ومنه"الشّملة". فالاشتمال تغطية وستر من ناحية، ومخالطة واندماج من ناحية أخرى. وكأني بالذين يدرسون الشخصية في معزل عن المكان والزمان، إنما يسلبونها شطرا ذا خطورة معتبرة في تحديد سيماتها، وتشخيص سلوكها، وتحديد أهدافها ومقاصدها. إذ العزل المتعسف للفرد عن مكانه، من قبيل التجزئة التي قد تقبلها عناصر العلوم الطبيعية الدقيقة، وترفضها عناصر العلوم الإنسانية القائمة على الكلية و"الاشتمال".
... إذا ارتضينا إجراء مصطلح"الاشتمال"الذي عرفناه في النحو العربي، ورضينا تحويله إلى الدرس الجمالي، فلغاية مزدوجة: فيه معنى اللباس
(القميص ) . وفيه معنى التغطية ( المنزل ) . وإذا عدنا إلى حديث الأعرابي، وجدنا للغايتين مضربا في المثل. وأدركنا أن المنزل الذي يختطّه الابن، سيظل ملازما له ما أقام فيه في تلك البقعة من الأرض، ملازمة قد تستغرق شطرا من حياته، يقصر أو يطول. ولكنه في كل الأحوال سيؤثر سلبا أو إيجابا في مستقبل شخصيته، وفي علاقاته الحميمية والاجتماعية على حد سواء.