ونحن لا نشكُّ طرفة عينٍ بأن إخواننا هؤلاء لم يقصدوا بهذا إلاَّ خيرًا، وذلك صائرٌ في ربط المسلمين بقضاياهم، وحفز هممهم، وإثارة حفائظهم نحو ألام أمتهم، وجراحتها، وكوارثها . فكم رأينا لهذه الأخبار العائد الكبير على الأمة الإسلامية في توثيق الروابط الإيمانية بينهم، والتكاتف الوثيق بين أطراف البلاد الإسلامية، وهو كذلك .
فنحن وإن كنَّا نوافقهم على هذا المبدأ الإسلامي، إلاَّ أننا ننكر عليهم أشياءَ لعلَّها خفيت عليهم في معاطفِ الأجواءِ الإخبارية التي تدثروا بها؛ فمن ذلك ما يلي:
الأولُ: الإغراق في نقل الأخبار، التي طغت على الهدف المنشود، وهو الحلُّ الشرعي تُجاه هذه الأخبار، والتعامل معها .
كما أنَّ في ذلك تفريغًا لطاقات المسلمين من قدراتهم التي كان عليكم أن توظِّفوها في حلِّ قضاياهم، وذلك بحسب الاستطاعة .
يوضحه؛ أن أكثرَ الخطباء ليسوا لهم من الخُطبِ غالبًا إلاَّ أمرين لا ثالث لهما:
الأمرُ الأوَّلُ: الكلام عن سيرة يهود الملعونة في القرآن والسنة والتأريخ، وأنهم قتلة الأنبياء، وناكثوا العهود والوعود، وأنهم إخوان القردة والخنزير ... الخ .
وهذا فيه خيرٌ عظيمٌ ولا شك؛ لكن أن نجعلَ الحديثَ عن هذا الموضوع هو المادةَ الدسمة، والمعينَ الوحيد على المنابر؛ فلا !؛ لأنَّ الإغراق في مثل هذا الموضوع - للأسف- أحدث عند كثير من المسلمين مللًا، وسآمةً، وإحباطًا؛ حتى أنَّ الواحد يريد أن يُصابَ بغثيان من كثرة الكلام عن مثل هذا الحديث؛ هذا إذا علمنا أنَّ الذي حملهم على هذا هو الضَّيمُ والظُّلمُ والذلةُ والهَوانُ الذي يقاسونه صباحًا ومساءً أمام الصور، والصحف، والأخبار الذي أحاطت بهم من كلِّ مكان، فهم بعد هذا لا يريدون تحريك مشاعر، وإثارة عواطف !؛ بل هم أحوج ما ينشدونه هو: المخرج من هذا المأزق التأريخي الذي لم تعشه أمةٌ كأمةِ الإسلام هذه الأيام ! .