ومع إقامة إسرائيل في الخامس عشر من أيار 1948م، تكون الحركة الصهيونية قد حققت أهم أهدافها، وعززت ذلك في تحقيق هدف ديموغرافي هام تمثل في طرد نحو 53% من إجمالي السكان العرب في العام المذكور، فكانت عبارة فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض من أهم المنطلقات الاستراتيجية للسياسة السكانية الصهيونية ضد العرب، والتي أدت فيما بعد إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني والنسيج الاجتماعي الذي بناه عبر التاريخ، إذ أصبح كل مجتمع فلسطيني من التجمعات الأربعة التي ذكرناها سابقًا يعيش تحت ظروف اجتماعية واقتصادية جديدة، في الشتات، أو في الضفة والقطاع، أو الأقلية التي تعيش في أرضها داخل الخط الأخضر، أو في دول العالم المختلفة.
2 ـ 2 الأوضاع الديموغرافية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر
ربطت الحركة الصهيونية نجاح مشروعها لإقامة كيانها في فلسطين بقدرتها على طرد السكان الفلسطينيين من بلادهم واستبدالهم بالمستوطنين الصهاينة، وبعد حرب 1948م، تمكن من إقامة كيان ذي أكثرية يهودية على الجزء الأكبر من فلسطين بعد طرد غالبية السكان الأصليين. إلا أنهم اعتبروا مجرد وجود الأقلية الباقية من الفلسطينيين خطرًا على إسرائيل، فانتهجت حيالها استراتيجية، استهدفت الاستمرار في الإرهاب لإجبار الفلسطينيين على الرحيل، فقام الجيش الإسرائيلي بارتكاب العديد من المجازر كمجزرة اللد والرملة، وعيلبون، وكفر قاسم، وقبية (1) .
وعندما أدت الظروف الدولية التي نشأت آنذاك إلى وقف تلك المحاولات، لجأت سلطات الاحتلال إلى إتباع سياسة جديدة، استهدفت قطع اتصالهم بمحيطهم الفلسطيني والعربي، مما دفع سلطات الاحتلال إلى محاولة استيعابهم ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي وعلى هامشه ولحسابه، وانتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كافة السبل لطمس هويتهم العربية وفرض الهويات الطائفية عليهم. فحاولت أن تجعل من العرب الدروز والشركس قوميات منفصلة، وفرضت عليهم الخدمات الإلزامية في الجيش الإسرائيلي عام 1958م، ثم حاولت التفريق بين العرب المسيحيين والمسلمين، بل وتقسيم المسيحيين إلى طوائف شرقية وغربية، والمسلمين إلى مذاهب مختلفة. كما حاولت استمالة البدو، ولجأت السلطات الإسرائيلية أيضًا إلى إثارة النزعات القبلية العشائرية (2) .
(1) المصدر نفسه.
(2) جبريل محمد، واصف نزال، زهير الصباغ فلسطيني 1948،نضال تحرري مستمر دار كنعان للدراسات والنشر الطبعة الثانية 1991م، ص12.