الحقيقة الضائعة وسط ذلك ، هي أن البراء بلا ولاء لن يجدي كثيرًا في إنهاضنا من كبواتنا ؛ فقضية الولاء ليست ذات بعد عقدي فقط ، ولكن لها أيضًا بُعد واقعي ، نحياه منذ عهود طويلة ، فأنا أزعم ، بل دعني أقول: أجزم بأن التفريط في أسباب الولاء والإخاء بين المسلمين هو تفريط في رأس مالنا ، وفي أكبر أسباب استجلاب النصر لنا .
فعندما امتن الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه أمدَّه بكل أسباب النصرة والتأييد جعل كل تلك الأسباب: من تنزيل الملائكة ، وتثبيت الأقدام ، وإنزال الغيث ، وتنزل السكينة على قلوب المؤمنين ، مع إلقاء الرعب في قلوب الكافرين جعل ذلك كله في كفة ، وجعل التأييد بالمؤمنين المتآخين المتآلفين في كفة أخرى ، فقال سبحانه: [ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] ( الأنفال: 62-63 ) ؛ فالله تعالى أيد رسوله صلى الله عليه وسلم بمؤيدات كونية وعلى رأسها الإمداد بالملائكة ، ومؤيدات شرعية وعلى رأسها التأييد بالمؤمنين المتآلفين الذين ألف بينهم هذا الدين بتشريعاته السامية .
قال الشيخ السعدي - رحمه الله - في تفسيره لتلك الآية:"أي أعانك بمعونة سماوية ، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء ، ومعونة بالمؤمنين ، بأن قيضهم لنصرك [ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ] فاجتمعوا وائتلفوا وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم"18
إن روح التحقير أو التنفير من شأن ذلك الاجتماع والائتلاف ، هو تفجير لأكبر مستودعات القوة لدى المسلمين ، وبعث لأقوى عوامل الفتنة فيما بينهم ، مهما كان المسمى الذي تتسمى به تلك الروح .
قال ابن تيمية - رحمه الله -:"كل ما أوجب فتنة وفرقة ، فليس من الدين ، سواء كان قولًا أو فعلًا"19 .