أننا حكمنا بالكراهة أو المنع من مباشرتها في الإناء كلما شرب صاحبه منه، لأدى ذلك إلى الحرج والمشقة والتعنيت وهذا منتف شرعا والله تعالى يريد بنا اليسر لا العسر والتخفيف لا الإثقال، ولأن المتقرر أنه لو كان النبي صلى الله عليه يتوقى هذه الضبة كلما رفع له القدح ليشرب منه لانتبه لذلك الصحابة لاسيما أهل بيته، ولنقل ذلك عنه نقلا لا يدع مجالا للشك، فلما لم ينقل ذلك عنه دل على أنه بنى الأمر على التخفيف، وأما المذاهب فلا عبرة بما قررته من الأحكام الشرعية التي لا دليل عليها، فإن قلت:- وكيف تقول في أثر ابن عمر فإنه قد صح عنه أنه كان لا يشرب من قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة؟ فأقول:- هذا محمول على القدح المضبب بهما بلا حاجة، والله أعلم.
مسألة:- وأما آنية الكفار، فالقول الصحيح عندي فيها التفصيل:- فإن تحققنا أو غلب على ظننا طهارتها فإنه يجوز استعمالها بلا غسل، وإن غسل من باب الاحتياط لا من باب الوجوب فلا حرج، لكن يجوز استعمالها بلا كراهة وإن لم تغسل، هذا فيما تحققنا أو غلب على الظن طهارته منها، لحديث جابر قال:- كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها فلا يعيب ذلك عليهم. رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح، وعن عبدالله ابن المغفل رضي الله عنه قال:- أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، قال:- فالتزمته فقلت:- لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، قال:- فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما، متفق عليه واللفظ لمسلم، ووجه الدلالة من الحديثين ما تقرر في الأصول أن إقراره صلى الله عليه وسلم حجة على الجواز، فقول جابر"فلا يعيب ذلك عليهم"دليل على أن ما فعلوه كان جائزا، وقول عبدالله بن المغفل"فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما"دليل على أن ما فعله عبدالله ابن المغفل كان جائزا، إذ لو كان لا يجوز الانتفاع بها لما سكت النبي ولما تبسم عليه الصلاة والسلام، ومن الأدلة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه - في قصة وضع اليهود السم لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وفيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هل أنتم صادقي