الذهب وإما أن تكون من الفضة، فإن كانت من الذهب فلا تجوز على الصحيح وإن كانت لحاجة، لأن الأصل المنع حتى يرد المخصص، وأما إن كانت من الفضة فالقول الصحيح جوازها، لحديث أنس:- أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، رواه البخاري، فقوله (من فضة) دليل على التخصيص بها، لأن الذهب كان موجودا ومع ذلك عدل عنه، مع أنه أفضل في معالجة الإناء المكسور، وقوله"انكسر"دليل على أن الدافع لاتخاذ هذه الضبة إنما هو الحاجة لا غير، فهو لم يضبب به ابتداء وإنما ضببه لما انكسر، وقوله"سلسلة من فضة"دليل على أن الأمر يسير، فصارت الضبة محرمة إلا إن كانت يسيرة عرفا، وأن تكون لحاجة، وأن تكون من الفضة وأما ما عداها من التضبيب فلا يجوز وبعبارة أخرى نقول:- إن الأصل في إناء الذهب والفضة والمضبب بهما المنع والتحريم إلا ما خصه النص، ولم يخص النص إلا الضبة من الفضة اليسيرة للحاجة ويبقى ما عداه على أصل التحريم، لأن الأصل بقاء العموم على عمومه حتى يرد المخصص والله أعلم.
مسألة:- واختلف أهل العلم في حكم مباشرة هذه الضبة المتخذة من الفضة للحاجة والراجح جواز مباشرتها بالشرب منها، ولا كراهة في ذلك، وذلك لأن المتقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، والكراهة أو المنع من أحكام الشرع فلا بد فيه من دليل ولا نعلم دليلا يفيد هذه الكراهة أو هذا المنع، وحيث لا دليل فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، ولأن المتقرر في القواعد:- أن الجواز الشرعي ينافي الضمان، وقد أجزنا له بالدليل وضع هذه الضبة فحيث أجزناها بمقتضى الدليل الشرعي فلا ضمان عليه ولا حرج في مباشرتها، ولأن المتقرر في القواعد:- أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كانت مباشرتها محرمة أو مكروهة لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما وأنها قد اتخذت في إنائه فلما ترك البيان ولم يذكر في مباشرتها بالشرب شيئا دل على أن الأمر على الجواز ولأن المتقرر في القواعد:- أن المشقة تجلب التيسير، وأن رفع الحرج عن المكلفين من أصول هذه الشريعة المباركة، فلو