أما الصورة الثانية: فهي التكلف في السجع بحيثُ تتفق الأحرف في كل كلمة بوقف عليها من كلِم وجمل الدعاء، فإن هذا التكلف منهي عنه والنهي فيه نهي كراهة باتفاق لا نهي تحريم، ويدل على ذلك دلائل ومنها: ما جاء في"البخاري"عن ابن عباس رضي الله عنهما في وصيته لمولاهُ عِكْرِمة أنه قال له وكان مما قال:"فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فباني فبأي عهدت الرسول - وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب"أي للسجع. ولذلك أخذ الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات في التحذير من تلك السجعات فهاهو الإمام القرطبي المالكي ـ يرحمه الله ـ في كتابه"الجامع في أحكام القرآن"في مجلده (7/ 226) يقول: ومن أنواع الاعتداء أي في السد على أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظًا مفقرة وكلماتٍ مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها أشعاره ويترك ما دعا به رسول الله - وكل هذا يمنعُ من استجابة الدعاء. كذا قال ـ يرحمه الله ـ أي أن أصل الاعتداء يمنع من الدعاء غذ إن قوله:"وكل هذا يعود على أنواع ذُكرت في الاعتداء فأرجعها إلى أصلها ولعل مرادهُ الأصل وأما الأنواع فمختلفٌ في حكمها؛ إلا أن السجع مما يدخل في جنسِ الاعتداء على ما سبق."
وينبه هنا إلى أمرٍ ذي بال يتعلق بالسجع ذلك يتعلق بالسجع ذلك أنَّ المنهي عنه هو مطلق السجع ويستثنى من ذلك شيئان:
أما الشيء الأول: فهو إذا أتت السجعات على عبراتٍ وعبارات عند دعاء دب الأرضِ والسموات دون تكلفٍ وتنطعٍ فإن ذلك لا شية فيه وقد قرره الأئمة ..
وأما الثاني: فهو أن يكون ذلك قد أُخذ مأثورًا وعن الأئمة الثقات مذكورًا فإنَّ أخذ دعاء القوم وسيدهم النبي محمد - ثم يليهم أصحابهِ الذين هم نجوم يهتدى بها وهكذا هو أخذٌ بما فيه خيرٌ وعملٌ بما صح العملُ به ويرجى استجابة الدعاء به. ولذلك قرر الأئمة ذلك الاستثناء.