فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1236

وقد ذكروا هنا آثار منها أن إسماعيل - عليه السلام - لما هم أبوه بذبحه قال له: يا أبت اشدد رباطى حتى لا اضطرب ، واكفف عنى ثيابك حتى لا يتناثر عليها شئ من دمى فتراه أمى فتحزن ، وأسرع مرّ السكين على حلقى ليكون أهون للموت على ، فإذا أتيت أمى فاقرأ عليها السلام منى . . وكان ذلك عند الخصرة التى بمنى . .

وقوله - سبحانه -: { وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم . قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ } أى: وعندما صرع إبراهيم ابنه ليذبحه ، واستسلما لأمرنا . . نادينا إبراهيم بقولنا { وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم . قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ } أى: قد فعلت ما أمرناك به ، ونفذت ما رأيته في رؤياك تنفيذا كاملا ، يدل على صدقك في إيمانك ، وعلى قوة إخلاصك .

قال الجمل: فإن قلت: كيف قال الله - تعالى - لإبراهيم: قد صدقت الرؤيا وهو إنما رأى أن يذبح ابنه ، وما كان تصديقها إلا لو حصل منه الذبح .

قلت: جعله الله مصدقا لأنه بذل جهده ووسعه ، وأتى بما أمكنه ، وفعل ما يفعله الذابح ، فأتى بالمطلوب ، وهو انقيادها لأمر الله .

وجملة { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين } تعليل لما قبلها . أى: فعلنا ما فعلنا من تفريج الكرب عن إبراهيم وإسماعيل ، لأن سنتنا قد اقتضت أن نجازى المسحنين الجزاء الذى يرفع درجاتهم ، ويفرج كرباتهم ، ويكشف الهم والغم عنهم .

واسم الإِشارة في قوله: { إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين } يعود إلى ما ابتلى الله - تعالى - نبيه إبراهيم وإسماعيل .

أى: إن هذا الذى ابتلينا به هذين النبيين الكريمين ، لهو البلاء الواضح ، والاختبار الظاهر ، الذى به يتميز قوى الإِيمان من ضعيفه ، والذى لا يحتمله إلا أصحاب العزائم العالية ، والقلوب السليمة ، والنفوس المخلصة لله رب العالمين .

ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله على هذين النبيين الكريمين فقال: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } والذبح بمعنى المذبوح فهو مصدر بمعنى اسم المفعول كالطحن بمعنى المطحون .

أى: وفدينا إسماعيل - عليه السلام - بمذبوح عظيم في هيئته ، وفى قدره ، لأنه من عندنا ، وليس من عند غيرنا .

قيل: افتداه الله - تعالى - بكبش أبيض ، أقرن ، عظيم القدر .

{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين . سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين }

أى: ومن مظاهر فضلنا وإحساننا وتكريمنا لنبينا إبراهيم - أننا أبقينا ذكره الحسن في الأمم التى ستأتى من بعده ، وجعلنا التحية والسلام منا ومن المؤمنين عليه إلى يوم الدين ، ومثل هذا الجزاء نجزى المحسنين - أنه - عليه السلام - من عبادنا الصادقين في إيمانهم .

ثم بين - سبحانه - مظهرا آخر من مظاهر فضله على نبيه إبراهيم فقال: { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصالحين . وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ }

أى: ومن مظاهر تكريمنا لإبراهيم ، أننا بشرناه بولد آخر هو إسحاق ، الذى جعلناه نبيا من أنبيائنا الصالحين لحمل رسالتنا ، وأفضنا على إبراهيم وعلى إسحاق الكثير من بركاتنا الدينية والدنيوية ، بأن جعلنا عددًا كبيرًا من الأنبياء من نسلهما .

ومع ذلك فقد اقتضت حكمتنا أن نجعل من ذريتهما من هو محسن في قوله وعمله ، ومن هو ظالم لنفسه بالكفر والمعاصى ظلما واضحا بينا ، وسنجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب .

هذا ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:

1 -أن الرسل جميعا قد جاءوا من عند الله - تعالى - بدين واحد في أصوله ، وأن كل واحد منهم قد سار على نهج سابقه في الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق ، وقد بين - سبحانه - في مطلق هذه القصة ، أن إبراهيم كان من شيعة نوح - عليه السلام - أى: من أتباعه الذين ساروا على سنته في دعوة الناس إلى عبادة الله وحده .

وقد أمر - عز وجل - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بإخوانه السابقين من الأنبياء ، فقال: { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } 2 - أن تعاطى الحيل الشرعية من أجل إزالة المنكر ، أمر مشروع ، فإن إبراهيم - عليه السلام - لكى يقضى على الأصنام ، اعتذر لقومه عن الخروج معهم في يوم عيدهم ، وقال لهم: إنى سقيم - بعد أن نظر في النجوم .

وكان مقصده من وراء ذلك ، أن يختلى بالأصنام ليحطمها ، ويثبت لقومه أنها لا تصلح للألوهية .

3 -أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يراعى - بفضله وكرمه - عباده المخلصين ، وأن ينصرهم على أعدائهم ، الذين يبيتون لهم الشرور والسوء .

ونرى ذلك جليا في هذه القصة ، فقد أضمر الكافرون لإِبراهيم الكيد والإِهلاك . فأنجاه الله - تعالى - من مكرهم ، كما قال - تعالى -: { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفلين } .

4 -أن على المؤمن إذا لم يتمكن من نشر دعوة الحق في مكان معين أن ينتقل منه إلى مكان آخر متى كان قادرا على ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت