ثم قال تعالى: { وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق } وفي تفسير هذه البركة وجهان الأول: أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق والثاني: أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة ، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات ، ثم قال تعالى: { وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وفي ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن ، لئلا تصير هذه الشبهة سببًا لمفاخرة اليهود ، ودخل تحت قوله: { مُحْسِنٌ } الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله: { ظَالِمٌ } الكافر والفاسق ، والله أعلم .
وفي التفسير الوسيط (1) :
أجاب الله - تعالى - دعاء عبده إبراهيم ، كما حكى ذلك في قوله: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } .
أى: فاستجبنا لإِبراهيم دعاءه فبشرناه على لسان ملائكتنا بغلام موصوف بالحلم وبمكارم الأخلاق .
قال صاحب الكشاف: - وقد انطوت البشارة على ثلاثة: على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ أوان الحلم ، وأنه يكون حليما .
وهذا الغلام الذى بشره الله - تعالى - به . المقصود به هنا إسماعيل - عليه السلام - .
والفاء في قوله - تعالى -: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي } فصيحة ، أى: بشرناه بهذا الغلام الحليم ، ثم عاش هذا الغلام حتى بلغ السن التى في إمكانه أن يسعى معه فيها ، ليساعده في قضاء مصالحه .
قيل: كانت سن إسماعيل في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة .
{ قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى } .
أى: فلام بلغ الغلام مع أبيه هذه السن ، قال الأب لابنه: يا بنى إنى رأيت في منامى أنى أذبحك ، فانظرماذا ترى في شأن نفسك .
قال الآلوسى ما ملخصه: يحتمل أنه - عليه السلام - رأى في منامه أنه فعل ذلك . . ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك ، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل ، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أنى ناج من هذه المحنة .
ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى في اليقظة ، وفى رواية أنه رأى ذلك في ليلة التروية فأخذ بفكر في أمره ، فسميت بذلك ، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن هذه الرؤيا من الله ، فسمى بيوم عرفة ، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهمَّ بنحره فسمى بيوم النحر .
ولعل السر في كونه مناما لا يقظة ، أن تكون المبادرة إلى الامتثال ، أدل على كمال الانقياد والإِخلاص .
وإنما شاوره بقوله: { فانظر مَاذَا ترى } مع أنه سينفذ ما أمره الله - تعالى - به في منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض ، لأن في هذه المشاورة إعلاما له بما رآه ، لكى يتقبله بثبات وصبر ، وليكون نزول هذا الأمر عليه أهون ، وليختبر عزمه وجلده .
وقوله: { قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين } حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم - عليهما السلام - وهو رد يدل على علو كعبه في الثبات ، وفى احتمال البلاء ، وفى الاستسلام لقضاء الله وقدره .
أى: قال الابن لأبيه: يا أبت افعل ما تؤمر به من قبل الله - تعالى - ولا تتردد في ذلك وستجدنى ن شاء الله من الصابرين على قضائه .
وفى هذا الرد ما فيه من سمو الأدب ، حيث قدم مشيئة الله - تعالى - ، ونسب الفضل إليه ، واستعان به - سبحانه - في أن يجعله من الصابرين على البلاء .
وهكذا الأنبياء - عليهم السلام - يلهمهم الله - تعالى - في جميع مراحل حياتهم ما يجعلهم في أعلى درجات السمو النفسى ، واليقين القلبى . والكمال الخلقى .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان من الابن وأبيه فقال: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } وأسلما: بمعنى استلسلما وانقادا لأمر الله ، فالفعل لازم ، أو بمعنى: سلَّم الذبيح نفسه وسلم الأب ابنه ، فيكون متعديا والمفعول محذوف .
وقوله { وَتَلَّهُ } أى: صرعه وأسقطه ، وأصل التل: الرمى على التَّل وهو الرمل الكثيف المرتفع ، ثم عمم في كل رمى ودفع ، يقال: تل فلان فلانا إذا صرعه وألقاه على الأرض .
والجبين: أحد جانبى الجبهة ، وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما .
أى: فلما استسلم الأب والابن لأمر الله - تعالى - وصرع الأب ابنه على شقه ، وجعل جبينه على الأرض ، واستعد الأب لذبح ابنه . . كان ما كان منا من رحمة بهما . ومن إكرام لهما ، ومن إعلاء لقدرهما .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: هو محذوف تقديره: فلما أسلم وتله للجبين { وَنَادَيْنَاهُ أَن ياإبراهيم . قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ } كان ما كان مما تنطق به الحال ، ولا يحيط به الوصف من استبشارها واغتباطهما ، وحمدهما لله ، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله ، وما اكتسبا في تضاعيفه من الثواب ، ورضوان الله الذى ليس وراءه مطلوب . .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3581)