الرابعة عشرة ودلّت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش كما فدى به إبراهيم ابنه؛ قاله ابن عباس . وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه؛ روى الروايتين عنه الشعبي . وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين . وقال مسروق: لا شيء عليه . وقال الشافعي: هو معصية يستغفر اللّه منها . وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ولده شيء . قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث . وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هديٌ . قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ولا أراده فلا شيء عليه . قال: ومن جعل ابنه هَدْيًا أهدى عنه؛ قال القاضي ابن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة؛ لأن اللّه تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعًا ، فألزم اللّه إبراهيم ذبح الولد ، وأخرجه عنه بذبح شاة . وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة؛ لأن اللّه تعالى قال: { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [ الحج: 78 ] والإيمان التزام أصليّ ، والنذر التزام فرعيّ؛ فيجب أن يكون محمولًا عليه . فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز . قلنا: هذا اعتراض على كتاب اللّه ، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام ، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام ، وقد قال اللّه تعالى: «افعل مَا تُؤْمَرُ» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان ، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال ، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال؛ فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء ، ولهذا قال اللّه تعالى: { إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين } [ الصافات: 106 ] في الصبر على ذبح الولد والنفس ، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية . فإن قيل: كيف يصير نذرًا وهو معصية . قلنا: إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره؛ لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعًا .
المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو؟ فقيل إنه إسحق وهذ قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم ، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي ، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أنا ابن الذبيحين » وقال له أعرابي: « يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ، ففداه بمائة من الإبل ، والذبيح الثاني إسماعيل » . الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال: يا أصمعي أين عقلك ، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة؟ .
الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله: { وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مّنَ الصابرين } [ الأنبياء: 85 ] وهو صبره على الذبح ، ووصفه أيضًا بصدق الوعد في قوله: { إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد } [ مريم: 54 ] لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به .
الحجة الرابعة: قوله تعالى: { فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ } [ هود: 71 ] فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب ، منه أو بعد ذلك فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحق ، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه ، وإلا حصل الخلف في قوله: { وَمِن وَرَاء إسحاق يعقوب } والثاني: باطل لأن قوله: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى قَالَ يابنى إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه ، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق .