ويأتي الأسلوب الحديث في التأويل لينقب ويدمر في آن واحد. انه يفتش فيما وراء النص عن نص فرعي هو النص الاصلي.. فالفهم هو التأويل، والتأويل ليس الا اعادة صياغة الظاهرة بهدف ايجاد مناظر لها، ومن ثم فليس التأويل قيمة مطلقة أو ايماءة ذهنية تكمن في نطاق غير محدود من القدرات، اذ لابد من تقويم التأويل نفسه في اطار رؤية تاريخية للوعي الانساني. في حين ان التأويل الكلاسيكي كان يسعى إلى المعنى الكامن، بما يؤدي إلى تجميد العمل الأدبي بالانساق السائدة في عصره، والتي يبدو ان مصداقيتها كانت تتجسد في العمل نفسه. لذا فقد كان النص الأدبي يؤخذ على انه شهادة على روح عصره، وعلى الظروف الاجتماعية التي سادت فيه، وعلى الاضطراب العصبي لمؤلفه، وما إلى ذلك.. فكان يخضع للهبوط به إلى مستوى الوثيقة، وبالتالي يتم تجريده من البعد الذي يميزه عن الوثيقة، الا وهو الفرصة التي يتيحها لنا كي نعايش بأنفسنا السمات الحيوية للنصوص الأدبية التي يجب الا تفقد قدرتها على التواصل. وعلى الناقد من هذه الزاوية لا ان يفسر العمل الأدبي، بل ان يكشف عن الظروف التي تؤدي إلى تأثيراته الممكنة العديدة وامكاناته الكامنة. والناقد الذي يقوم بالتأويل والحالة تلك لم يعد يستطيع الزعم بأنه يلقن القاريء معنى النص، فهذا محال في غياب الاسهام الذاتي والسياق. وعملية القراءة بتعقيداتها المدهشة هي ما تنصرف الصفحات التالية إلى بحثها ومناقشتها.