وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ بِاعْتِكَافِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَشْر الأُوَل مِنْ شَوَّال , رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَبِحَدِيثِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة , فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك , وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَاللَّيْل لَيْسَ مَحَلًا لِلصَّوْمِ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الاعْتِكَاف.
وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيث: أَنَّ الاعْتِكَاف لا يَصِحّ إِلا فِي الْمَسْجِد ; لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجه وَأَصْحَابه إِنَّمَا اِعْتَكَفُوا فِي الْمَسْجِد مَعَ الْمَشَقَّة فِي مُلازَمَته , فَلَوْ جَازَ فِي الْبَيْت لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّة لا سِيَّمَا النِّسَاء ; لأَنَّ حَاجَتهنَّ إِلَيْهِ فِي الْبُيُوت أَكْثَر. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اِخْتِصَاصه بِالْمَسْجِدِ , وَأَنَّهُ لا يَصِحّ فِي غَيْره , هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهُور سَوَاء الرَّجُل وَالْمَرْأَة
ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْجُمْهُور الْمُشْتَرِطُونَ الْمَسْجِد الْعَامّ , فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَجُمْهُورهمْ: يَصِحّ الِاعْتِكَاف فِي كُلّ مَسْجِد , وَقَالَ أَحْمَد: يَخْتَصّ بِمَسْجِدٍ تُقَام الْجَمَاعَة الرَّاتِبَة فِيهِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَخْتَصّ بِمَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَات كُلّهَا , وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَآخَرُونَ: يَخْتَصّ بِالْجَامِعِ الَّذِي تُقَام فِيهِ الْجُمُعَة. [1]
قال ابنُ القيم رحمه الله مبينًا المقصود من الاعتكاف: وشرع لهم الاعتكافُ الذي مقصودهُ وروحهُ عكوفُ القلبِ على الله تعالى وجَمْعِيَّتُهُ عليه، والخلوةُ به عن الاشتغال بالخلق، والاشتغَالُ به وحده سبحانه؛ بحيث يصير ذكرُه، وحبُّه، والإقبالُ عليه في محلِّ هموم القلب، وخطراتهِ؛ فيستولي عليه بدلَها، ويصير الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكرُ في تحصيل مراضيه، وما يُقرِّب منه؛ فيصير أُنْسُهُ بالله بدلًا عن أنسه بالخلق؛ فَيُعِدُّهُ بذلك لأُنسه به يومَ الوحشةِ في القبور حين لا أنيسَ لَه، ولا ما يَفْرَحُ به سواه؛ فهذا مقصودُ الاعتكافِ الأعظم. اهـ [2]
ومن عظيم فضل رمضان: محبة الله تعالى لمن عجل بالإفطار:
(1) شرح مسلم (8/ 66)
(2) دروس رمضانية (1/ 170)