ج- وإذا طالعنا منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأسلوبه في التعليم وجدنا أنه أكمل أسلوب عرفته الأرض للآن فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد في التعليم على الصحبة، وهذه الصحبة تقتضي المحبة والملازمة وهكذا كان أصحابه معه رضوان الله عليهم أجمعين وعلى قدر هذه الصحبة كانت الإفادة والتلقي، ولم يكن يتكلف في درسه شيئا أصلا لا طريقة للجلوس ولا زيًا خاصا بحضور الدرس، ولا ميعادا معينا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه وهو جالس أحيانا وهو واقف أحيانا وهو مضطجع أخرى كما جاء في الحديث: [ألا أدلكم على أكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين. وكان مضطجعا فجلس فقال: ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور .. ] الحديث، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ درسه مضطجعا وهنا تجاوز في قولنا بدأ درسه لأن دروسه لم يكن لها نقطة بدء بالمعنى المعروف الآن.
وكان صلى الله عليه وسلم يستخدم وسيلة الإيضاح المناسبة فكان يستخدم يديه وتعبيرات وجهه (في غير تمثيل أو اصطناع) وكان يرسم ما يريد أحيانا على الأرض كما رسم لهم صراط الله كخط مستقيم وسبل الشيطان بخطوط معوجة، وكما رسم لهم مربعا وقال هذا أجل الانسان ورسم دائرة في وسطه وقال هذا هو ابن آدم ورسم دائرة خارجة من المربع وقال هذا أمله ورسم خطوطًا معترضة بين الدائرة الوسطى (الإنسان) وبين الدائرة الخارجة (الأمل) وقال عن هذه الخطوط هذه الأعراض (أي المشاكل والحوادث التي تعرض للإنسان قبل الأجل) . ويريد بهذا صلى الله عليه وسلم أن يصور أن الإنسان يموت قبل أن يصل إلى مراده وأمله فصورها بصورة حسية عجيبة.
د- وكان صلى الله عليه وسلم يستعمل المواعظ بحذر شديد ولا يعظ إلا بين فترة وأخرى، وذلك أن الموعظة إذا كثرت تبلد الشعور والإحساس وتشيع الملل واحتقار النفس، وإذا كانت قليلة مناسبة أيقظت الشعور ووجهت إلى العمل (فمتى يعلم هذا معلمونا ومشايخنا الذين لا يحسنون إلا سب الناس وإلقاء المواعظ المكررة) !!؟
وكان يغضب أحيانا في موعظته إذا اقتضى الأمر هذا كما غضب على معاذ لما علم أنه يطيل الصلاة بأصحابه، وغضب على أسامة لما علم أنه قتل رجلا في الحرب بعد أن قال لا إله إلا الله.
هـ - وكان صلى الله عليه وسلم واسع الصدر في التعليم لم يعنف سائلا قط لسؤاله، ولا معترضا قط لاعتراضه فقد كان يسأل ويناقش ويغلظ عليه أحيانا في المسألة وكل هذا وهو حليم واسع الصدر وكان يأتيه الأعرابي الجاهل فيبول في المسجد فيقع الصحابة به فيقول لهم: [لا تزرموه .. دعوه حتى يتم بوله] فتركه ليكمل