سان وتارة باليد، فأما القلب فيجب بكل حال إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [وذلك أدنى -أو أضعف- الإيمان] ، وقال: [ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل] ، وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان.
وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلا لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: إنكم تعدون هذه الآية: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} ، وأنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه] . والفريق الثاني من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقا من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدام لك به فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائك أيام الصبر، والصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن كأجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله] ، فيأتي بالأمر والنهي معتقدا أنه مطيع في ذلك لله ورسوله، وهو معتد في حدوده، كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم ممن غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك، وكان فساده، أعظم من صلاحه، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأمة، ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، وقال: [أدوا إليهم حقوقهم، وسلوا الله من حقوقكم] وقد بسطنا القول في ذلك في غير هذا الموضع.
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم، ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة: التوحيد الذي هو سلب الصفات، والعدل الذي هو التكذيب بالقدر، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي منه قتال الأئمة .. وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع، وجماع ذلك داخل القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان تضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل