وهكذا كانت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما تصدر بـ (والله) ، والذي نفسي بيده، وايم الله، ولا يكف عن قوله: لا ومقلب القلوب، أي ومقلب القلوب. يحلف ويقسم بكل هذه الأيمان إشعارا لمن يبلغهم أن ما يقوله حق وصدق.
وتقرأ القرآن فلا تكاد تجاوز صفحة من صفحاته إلا وقابلك قسم من الله على صدق نفسه سبحانه، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ما يأتيهم هو الحق الذي لا شبهة فيه، ولا ريب.
فمن ذلك قوله جل وعلا: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} ، وقوله: {ومن أصدق من الله حديثا} وقوله: {ومن أصدق من الله قيلا} ، وقوله: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} ، {فوربك لنسألهم أجمعين} وقوله: {قل إي وربي إنه الحق} ومثل هذه الآيات التي تصدر بالقسم كثيرة جدا.
وذلك للإلحاح على قضية واحدة وهي توثيق المصدر وبيان أن ما جاء به النبي حق وصدق.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يخبر الناس بأشياء يستغربونها، ولا يكادون يصدقون بها فها هو البخاري يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [بينما رجل ممن كان قبلكم يركب بقرة إذ التفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا!!! فقال الناس سبحان الله: بقرة تتكلم!! فقال: إني لأؤمن بهذا وأبو بكر وعمر] ، يقول هذا مؤكدًا قوله وأنه لا يقول إلا حقًا.
ولذلك كان أول واجب على الدعاة إلى الإسلام أن يكونوا صادقين، بعيدين عن الغرض والهوى، ولذلك كان السقوط في هذه القضية سقوطًا كاملًا لدعوتهم. ولعل مما يحسن التدليل به هنا على انهيار الرسالة الإعلامية بالكذب هو تلك السياسية التي اتبعها الإعلام العربي في العقدين الأخيرين من هذا القرن تطبيقا لنظرية (جوبلز) في الإعلام وهي: اكذب ثم اكذب ولابد أن يصدقك الناس. فقد رأينا كيف وصل المواطن العربي إلى عدم الثقة بإعلانات وبلاغات حكوماته العسكرية وتصريحات زعمائه وكيف تحول إلى إذاعات العدو وبلاغاته.
وإذا كان الكذب مستنكرا مع غير المسلمين فإنه أشد نكرانا مع المسلمين ولذلك يعجب المرء منا طويلا وهو يرى أناسا ينتحلون الدعوة إلى الله سبحانه ثم يستحلون الكذب مع خصومهم ومنافسيهم وإخوانهم، زعما منهم أن هذا لمصلحة الدعوة، وليس من مصلحة الدعوة الإسلامية قط أن يتصف أربابها بالكذب.
5 -العلاقات العامة أسلوب من أساليب الدعوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم