فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 120

يتوقف قبول الناس لأي رسالة إعلامية على مدى إيمانهم بصدق القائمين عليها، ونزاهتهم، وبعدهم عن الغرض. ففي اليوم الذي يثق الناس فيه بصاحب دعوة ما ويتأكدون من صدقه ونزاهته يقبلون كلامه ويدخلون في دعوته إذا وافقت اقتناعا ورضى .. وكثيرا ما يقتنع الناس بحق ما ولكنهم إذا شعروا بكذب قائله، أو علموا أن له غاية وهدفا وراء هذه الدعوة فإنهم ينفضُّون عن دعوته، ويصمُّون الآذان لها.

ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على توثيق مصدر رسالته الإعلامية منذ بدأها، ففي مراحل دعوته الأولى لم يدع إلا رجالا قد خالطوه وعرفوا صدقه وأمانته ونزاهته، وبعده عن الغرض. وفي أول لقاء إعلامي مع الناس كان أول عمل قام به هو أن وثّق مصدر رسالته، أعني أن أخذ إقرارا من الناس بصدقه وأمانته، فلقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، ثم قال: [واصباحاه!! واصباحاه!!] -وهذه تعني عند العرب إنذارًا بالحرب والخطر- فاجتمع الناس حوله من كل شعب من شعاب مكة، وبعد أن تكامل وجودهم لديه ناداهم بأسماء بطونهم: [يابني هاشم، يا بني عبد مناف، يا بني لؤي .. يا بني فلان] ثم قال لهم: [لو قلت لكم أن خيلا خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟!!] فقالوا: ما جربنا عليك كذبا!!.

وهكذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ إقرارًا جماعيا وهو أشبه بالإجماع على صدقه وأمانته وذلك من هذا الجمهور الذي يدعوه إلى الإسلام. وكان هذا الإقرار الجماعي هو الأرض التي وقف عليها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن دعوته إليهم، أو هو الباب الذي دلف النبي من خلاله إلى عقولهم وقلوبهم.

إذا كان صدق المصدر شرطًا أساسيًا في قبول أي خبر، وفي نشر أي رسالة إعلامية، فإنه لشرط لا غنى عنه مطلقا في الإسلام وللرسول بالذات وذلك أن كل ما يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم ليس هناك من دليل مادي لإثباته غير دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم. فقد نتفق أن الإسلام دين يوافق العقل، ويوافق الفطرة، ويقبله كل ذوق سليم، ونفس مستقيمة، ولكن مع ذلك تبقي عقائد الإسلام وأخباره الغيبية عرضة للشك والريب، ما لم يكن المؤمن قد صدّق جازمًا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الإقرار الجماعي على صدقه ممن يدعوهم إلى الإسلام، بل لم يترك مناسبة إلا وجدَّد لأتباعه وأعدائه على السواء أنه رسول الله صدقًا، وأنه لم يكن ليكذب على الله، وأن الذين آمنوا به ما آمنوا إلا تصديقا له، وإقرارا بأن ما جاء به هو الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت