فإِنْ قيل: فِعْلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطوافَ بطهارةٍ كان بيانًا للأَمر في حق الطهارة، إِذ النص كان مُجْمَلًا في حقِّ الطهارة، وهذا الفعل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتواتر. قلنا: إِنَّما يقال: إِنَّه بيان، إِذا كان النص يحتمله بِوَجْهٍ، والأَمر بالطواف لا يحتمل الطهارة، فيصير زيادة لا محالة، والزيادة قد تكون لتعلق أَصل الجواز به، وقد تكون لتعلق الكمال به، فلا يتعلّق به أَصل الجواز بالاحتمال، بل يبقى معه ظاهر النص كما كان، ولأَن الأَصل في (النصوص الظاهرة أَنها لا تتوقفُ) على البيان، وما يوجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بيانًا للكامل منه في حق العمل (وفي حقِّ العلم، أَما في حقِّ العلم، فالطهارة ليست بشرط كسائر أَركان الحج، وفي حق العمل) فالطهارة شرط له كالصلاة.
فعلى هذا أَمْرُ الطواف، أَصله بِقَدْرِ ما تدل عليه الآية واجبٌ عِلْمًا وعَمَلًا، وما زِيدَ بالسُّنَّةِ مما لا يمكنُ إِضَافَتُه إِلى الآية واجبٌ عَمَلًا لا عِلْمًا، إِما لأَنَّ الخبر خَبَرُ واحدٍ، فلا يُنْسَخُ به الفرضُ الثابت بالكتاب، فَيُحْمَل عليه، حتى لا يكون نسخًا، أَوْ لأَن النسخ لا يُصَارُ إِليه ما أَمكن حَمْلُ فِعْل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيان الأَكمل به بواجب من قبله لا بالكتاب، فيحمل عليه حتى لا يكون نسخًا. وستجيء سننه وآدابه.
(وأَشْهُرُهُ شَوّال وذو القِعْدة) ـ بفَتْح القاف وتكسر ـ (وعَشْرُ ذِي الحِجَّة) ـ بكسر الحاء ـ أَي عشرة أَيام منها، فإِنَّه إِذا حُذِف التمييز جاز التذكير، وهو قول العبادلة. وعن أَبي يوسف: عَشْرُ ليالٍ وتسعةُ أَيَّام. وقال مالك: وذو الحِجة بِتَمَامِهِ لقوله تعالى: {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ، أَي وَقْتُه، والشَّهْرُ يقع على الكامل حقيقةً، وعلى غيره مَجَازًا من باب إِطلاق الكل وإِرَادَة البعض.