وقد استدلّ بظاهره مالك والشافعي حيث قالا: لم يقض عليهم بالدِّية إذا حلفوا. ولنا: ما في الكتب الستة أيضًا عن ابن عباس ـ واللفظ لمسلم ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لادّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه» . ولفظ الباقين: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى أن اليمين على المدعى عليه. وما في «سنن الترمذي» عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في خُطبته: «البيّنة على المدَّعي، واليمين على المدَّعى عليه» . وما في «مصنف» عبد الرَّزَّاق وابن أبي شَيْبَة، والواقدي: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، عن سعيد بن المُسَيَّب قال: كانت القَسَامة في الجاهلية، فأقرّها النبيّ صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وُجِدَ في جُبَ لليهود.
قال: فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهود وكلّفهم قَسَامة خمسين، فقالت اليهود: (لن) نحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أفتحلفون» ؟ فأبت الأنصار أن تحلف، فأغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود ديته، لأنه قُتِلَ بين أظهرهم.
وما في «مسند البزَّار» عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: كانت القَسَامة في الدَّم يوم خَيْبَر، وذلك أنّ رجلًا من الأنصار ـ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ـ فُقِدَ تحت الليل، فجاءت الأنصار فقالوا: إن صاحبنا يتشحَّط في دمه. فقال: «أتعرفون قاتله؟» قالوا: لا، إلاّ أن يكون يهود قتلته. فقال: «اختاروا منهم خمسين رجلًا، فيحلفون بالله جهد أيمانهم، ثم خُذوا الدِّية منهم» . ففعلوا.