وقال في قوله تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) : وذلك لِطِيب صوته بتلاوة كتابه الزبور ، وكان إذا تَرَنّم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه وتردّ عليه الجبال تأويبا ، ولهذا لما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل وكان له صوت طيب جدا ، فوقف واستمع لقراءته ، وقال: لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود . قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا . وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى رضي الله عنه . ومع هذا قال عليه الصلاة والسلام: لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود . اهـ .
وقد استدلّ بعض ضعاف العِلم بقوله صلى الله عليه وسلم:"لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود"على جواز الغناء ، وهذا لا شك أنه خطأ من وجوه:
الأول: الخطأ في فهم المقصود من المزامير ، وأنه تغنّي داود عليه الصلاة والسلام وترنّمه بالزبور ، وهو تلاوته له دون آلة .
الثاني: أن قوله عليه الصلاة والسلام:"لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود"من باب التشبيه ، ولا يلزم التشابُه من كل وجه في حال تمثيل شيء بشيء آخر .
فالنبي صلى الله عليه وسلم شبّه بعض أنواع الوحي بـ"صلصلة الجرس"وهو عليه الصلاة والسلام قد نهى عن الْجَرَس بقوله: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس . رواه مسلم .
كما أنه عليه الصلاة والسلام سَمّى الْجَرس مزمار الشيطان ، أي صوته ، فقال عليه الصلاة والسلام: الجرس مزامير الشيطان . رواه مسلم .
فهذا من باب التشبيه ، والْجَرَس منهيّ عنه ، فلا يلزم التماثل أو التشابُه بين الْمُشبَّه والْمُشبَّه به .
الثالث: أن قائل هذا القول لم يُسبق إليه .
والله تعالى أعلم .
الصلاة جالسا
السلام عليكم ورحمه الله و بركاته