الأول: أن هذا فعل صحابي ، وفعل الصحابي وقوله إنما يكون حجة فيما لم يَرد فيه نصّ ، أما ما ورد فيه نص فلا يكون قوله حجة ، وذلك أن أقوال الصحابة إذا تعارضت في المسالة طُلِب لها مُرجّح خارجي ، فكيف إذا كانت بِخلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ويُلتمس لهم العُذر من جهة عدم بلوغ النص ، أو من جهة تأوّل النص على وجه دون آخر ، أو على حالة دون أخرى ، إلى غير ذلك .
الوجه الثاني: أن أمهات المؤمنين لسْن كبقية النساء ، فهنّ بمنْزِلة الأمهات في تحريم النكاح ، ووجوب البرّ .
قال البغوي في قوله تعالى: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) : وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأييد . اهـ .
ولعله لهذا الْمَلْحَظ أَذِن لهنّ عُمر رضي الله عنه في الحجّ ، ومع ذلك فقد شدد عمر رضي الله عنه في المسألة .
الوجه الثالث: أن عمر رضي الله عنه لم يأذن لأمهات المؤمنين في الحج إلا بعد إلحاح منهن .
فإن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم و رضي الله عنهن لما استأذنّ عمر رضي الله عنه في الحج أبَى أن يأذن لهن حتى أكثَرْن عليه ، فقال: سآذن لكنّ بعد العام ، وليس هذا من رأيي . فأرسل معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ، وأمرهما أن يسير أحدهما بين أيديهن والآخر خلفهن ، ولا يُسايرهنّ أحد ، فإذا نَزَلْنَ فأنزِلوهن شِعبًا ، ثم كونا على باب الشِّعْب ، لا يَدخل عليهنّ أحد ، ثم أَمَرَهما إذا طُفنَ بالبيت أن لا يَطوف معهن أحدٌ إلا النساء .
فأين هذا ممن يأذن في السفر المطلق للمرأة من غير مَحرَم ، ثم يستدل بفعل عُمر رضي الله عنه .
وفِعل عمر رضي الله عنه مع كونه فعل صحابي إلا أنه قال عنه: ليس من رأيي .
أي أن رأيه يُخالِف هذا ، إلا أنه أذِن فيه أمام إلحاح أمهات المؤمننين رضي الله عنهن .
ثم شدّد في ذلك أيضا ، أن لا يَطفن مع أحد إلا مع النساء .
وأن يُشدد عليهم في الحراسة ، والنُّزول ، وغير ذلك .