وهنا إشارة إلى مسألة كثُر فيها الكلام ، وهي مسألة عصمة الأنبياء من الخطأ ومن الصغائر .
وهي مسألة خلافية ، والصحيح أنه يَجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد إلا أنهم لا يُقرُّون عليه .
والأصوليون يُقرِّرون أنه عليه الصلاة والسلام يكون تارة بمنْزِلة الإمام الأعظم ، وتارة بمنْزِلة القاضي حينما يقضي بين الناس ، وتارة بمنْزلة الْمُفتِي ، وتارة بمنْزِلة الْمعلّم ، وتارة بمنْزِلة الإمام في الصلاة ، وتارة بمنْزِلة أصحابه ، فربما تكلّم في الأمر من أمور الدنيا ، وهذا لا يَدخله الوحي ولا تكون له فيه عِصمة ، كما قال للأنصار - أصحاب المزارع - فقد مَترّ بقوم يُلَقِّحُون فقال: لو لم تفعلوا لصلح . قال: فخرج شِيصًا ، فَمَرّ بهم فقال: ما لنخلكم ؟ قالوا: قلت: كذا وكذا . قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم . رواه مسلم .
وفي رواية لمسلم من طريق موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء ؟ فقالوا: يُلقِّحونه ، يجعلون الذَّكَر في الأنثى فيلقح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئا . قال: فأخْبِرُوا بذلك ، فتركوه ، فأُخْبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإني إنما ظننت ظنا ، فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به ، فإني لن اكذب على الله عز وجل .
وفي رواية ثالثة لمسلم عن رافع بن خديج:
فقال: إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر .
فالكلام في هذا لا يَدخله الوحي ، ولا مدخل للعصمة فيه .
قال الإمام النووي:
قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم من رأيي أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع ، فأما ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعا يجب العمل به ، وليس أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله .