الصفحة 23 من 946

وسلم كأنما نشط من عِقال، قال: وروي أنه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه ثلاثة أيام، فنزلت المعوذتان [1] .

قالوا: والسحر الذي أصابه كان مرضا من الأمراض عارضا شفاه اللَّه منه، ولا نَقْصَ في ذلك ولا عيب بوجه ما؛ فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه صلى الله عليه وسلم في مرضه، ووقع حين انفكت قدمه وجُحش شقه، وهذا من البلاء الذي يزيده اللَّه به رفعة في درجاته ونيل كرامته. وأشد الناس بلاء الأنبياء؛ فقد ابتلوا من أممهم بما ابتلوا به: من القتل، والضرب، والشتم، والحبس، فليس ببدع أن يُبتلى النبي صلى الله عليه وسلم كما ابتلي بالذي رماه فشجه، وابتلي بالذي ألقى على ظهره السَّلا وهو ساجد، وغير ذلك، فلا نقص عليهم، ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند اللَّه.

قالوا: وقد ثبت في «الصحيح» عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، أشتكيت؟» فقال: «نعم» ، فقال: «باسم اللَّه أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد اللَّه يشفيك، باسم اللَّه أرقيك» . فعوذه جبريل -لمَّا اشتكى- من شر كل نفس وعين حاسد، فدل على أن هذا التعويذ مزيل لشكايته صلى الله عليه و سلم، و إلا فلا يعوذه من شيء وشكايته من غيره. انتهى.

وقال الحافظ في «الفتح» : وقد بين الواقدي السَّنَةَ التي وقع فيها السحر كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم، مرسل. قال: لما رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرَّمُ سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم -وكان حليفا في بني زريق وكان ساحرا- فقالوا: أنت أسحرنا -أي: أعلمنا بالسحر- وقد سحرنا محمدًا؛ فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا يؤثر فيه. فجعلوا له ثلاثة دنانير [2] . اهـ.

(1) - «تفسير البغوي» : (4/ 547) .

(2) - «طبقات ابن سعد» : (2/ 197) ، و «فتح الباري» : (10/ 226) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت