لكن انظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم دانت له مكة التي استعصى عليه أهلها، مكة التي كان أهلها أشد الناس إيذاءً له، مكة التي كانت مؤلبة ومحرضة عليه للقبائل، ولكل الأعداء الذين سعت قريش إلى أن تجعلهم في صفها ضد رسول الله عليه الصلاة والسلام، دخل عليه الصلاة والسلام مطأطئًا رأسه تواضعًا لله عز وجل، وفي بعض الروايات: (حتى مست لحيته ظهر دابته) عليه الصلاة والسلام، دخل وهو المنتصر لا في نشوة المنتصر، بل في ذلة العابد الحامد لربه سبحانه وتعالى، ولذلك لم تطغ نفسه، فلم يأت بالناس ليقص رقابهم ويسيل دماءهم، بل عفا عنهم.
هلاّ…تواضعنا لله، وهلاّ تواضعنا لخلق الله ونزعنا رداء العجب والفخر، إذ المطلوب منك ـ أيها المؤمن ـ أن تعطف وترحم المساكين، وأن تصل رحمك والوالدين، وأن تغض الطرف عن إساءة المسيئين، وتسامح المذنبين، وتأتسي بسيد العالمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وجاءه - صلى الله عليه وسلم - من هرب كـ حكيم بن حزام وغيره، وجلسوا بين يديه يلتمسون عفوه فوجدوا نفسه سمحة بذلك، إلا من كان عدوًا لله ولرسوله، من اجترأ على دينه أو سب وآذى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأولئك بضعة نفر في أعلى روايات السيرة أنهم تسعة أهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دماءهم وأمر بقتلهم ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة.