لكن جمهور أهل مكة ما أصاب أحدًا منهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام ضر، ومكة نفسها ما هُدِم فيها بيت، ولا قلعت فيها شجرة، ولا أضرمت فيها نار، تلك هي انتصارات الإسلام، ولعلنا نستحضر يوم السابع والعشرين من شهر رجب في العام السابع والثمانين بعد الخمسمائة من الهجرة يوم دخل صلاح الدين منتصرًا إلى بيت المقدس في يوم جمعة، ولعلنا نتذكر الخطبة التي خطبها القاضي الفاضل ، وكلها تذكير بفضل الله، وإقرار بنعمة الله، واعتراف بضرورة شكر الله، ولعلنا نعرف صنع صلاح الدين الذي قضى دهرًا طويلًا من عمره مرابطًا في جهاده في سبيل الله.
14-الإسلام دين سلام ودين قوة:
كان قرار الرسول الكريم -- صلى الله عليه وسلم -- أن يتم فتح مكة بلا"قتال"فعهد إلى أمرائه ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.
وكان عليه الصلاة والسلام حريصًا على ذلك كل الحرص وهو ما ينطق به أسلوبه في إدارة المعركة والسيطرة المحكمة على كل مرحلة من مراحلها، ولقد بلغ من حرصه -- صلى الله عليه وسلم -- على تجنب القتال أنه بلغه أن سعد بن عبادة الذي كان يقود رتلًا من الأرتال الأربعة التي يتألف منها جيش المسلمين قال:"اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة"فأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس بن سعد حتى يحول دون اندفاع سعد لإثارة الحرب.
ومن هذا الحرص على حقن الدماء أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكتفِ بالتخطيط والقرار بأن يكون الفتح بغير قتال؛ لأنه يكون بذلك"عملًا من جانب واحد"لا بد أن يقابله عمل من الجانب الآخر ينسجم معه ويحقق هدفه هو"عدم المقاومة"، أي أنه لابد من اتخاذ التدابير التي"تمنع"العدو من المقاومة والقتال، وهذا هو بالضبط ما فعله الرسول الكريم القائد- - صلى الله عليه وسلم -- بحرصه على المفاجأة والخداع وتجريد قريش من إرادة القتال على نحو ما قدمنا..