23-توحد القيادة والشعب:
إن أمتنا اليوم في أمسِّ الحاجة إلى أن تستلهم روح بدر، تلك التي توحَّدت فيها رؤية القيادة والأمة، واتَّسقت مساراتهم فكانت مسارًا واحدًا، وعملًا متوحدًا، وإن درس الشورى واحترام إرادة الأمة لمِن أبرز دروس بدر التي ننظر إليها بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا في إجلال، وننظر إلى واقعنا الراهن بعد هذه القرون في حسرة وأسف.. !!
لقد شاور الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في أمر محاربة العدو الرابض على مقربةٍ منهم، وقَبِلَ مشورة أحدهم وهو الحباب بن المنذر أن يغيِّر موضع الجيش إلى مكان آخر يتحكم في مياه منطقة القتال، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأيه، وهو جَدُّ سعيد.
ولم تكن الشورى في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته مقتصرةً على أمور الحكم وقضايا السياسة، بل كانت خُلقًا عامًا، تربَّى عليه ذلك الجيل الفريد، واستمسك به، وإن النصر في تاريخنا لشديدُ الارتباط بالحرية السياسية، كما أن الهزيمة والنكوص قرين الاستبداد والقهر، وهل ضاعت القدس وسيناء والجولان وغيرها عام 1967م إلا في أجواء القهر السياسي، حين استأسد الحاكمون على شعوبهم، وكانوا بغاثًا أمام العدو، حين جدَّ الأمر وحان القتال.. (أسد عليَّ.. وفي الحروب نعامة) ، وهل احتل الأمريكان- ومن حالفهم- العراقَ في نكبة دامية إلا في ظل استبداد حاكمها وطغيانه؟!
وبقي على الشعوب أن تدفع ثمن هذا وذاك من كرامتها ودماء أبنائها، وهو ثمن فادح ثقيل ما كانت ستدفع معشارَه لو أخذت على أيدي ظالميها، واضطَّرتهم إلى لزوم الجادة، وأعادتهم إلى الصواب، وأفاقتهم من نشوة الحكم وغرور السلطان، وأوقفتهم على حقيقة أمرهم أنهم أُجَراءُ عند شعوبهم - محض أجراء- إن أحسنوا بقَوا، وإن أساءوا عُزِلوا، ورَحِم الله أبا بكر الصديق حين قال مخاطبًا شعبَه:"إني وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم، فإن أحسنتُ فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني".