الصفحة 42 من 103

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتاله دفاعًا عن الدين يحارب عربًا بعرب، بل قرشيين بقرشيين، فلا يمكن أن تكون هناك مزايا لدى طرف دون طرف في القوة والشجاعة، فالسر وراء انتصار المسلمين هو أن الإسلام وجه نزعات العرب في نفوسهم إلى غاية عظمى رفعت أقدارهم، وهي إعلاء كلمة الله، وإعزاز راية دينه، وما يدخل في مفهوم كلمة سبيل الله من قيم فاضلة وقضايا عادلة وأهداف نبيلة، وكان الإسلام حريصًا على أن يزود المسلمين بتلك الدوافع التي تملأ نفوسهم حمية واستبسالًا، ولهذا كان"حساب المقاتل المجاهد"في الحرب وفي ميزان القوى مقدرًا بما في قلبه من عقيدة وإيمان، وربما في نفسه من مبادئ يُحارب عنها، وأسباب تدعوه إلى خوض هذه الحرب.

وهذا ما نجده في قول الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَّكُن مِّنْكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] ، وذلك لأن الذين كفروا قد خلت نفوسهم من المبادئ الكريمة والدوافع الصادقة، ولذلك"حرموا الفقه"الذي كان من شأنه أن يبصرهم بالمبادئ التي يقاتلون عليها، والمثل التي يدافعون عنها، ومن حرم هذا الفقه في مجال الحرب، فقد تعرى من كل سلاح يدافع به، وكانت عاقبته الهزيمة والبوار.

وقد برز ذلك في أول مواجهة بين المسلمين والكفار في غزوة بدر الكبرى، إذ كان هدف المسلمين"إعلاء كلمة الله"، بينما كان هدف المشركين ما عبَّر عنه قول زعيمهم أبي جهل:"والله لا نرجع حتى نَرِدَ بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا ننحر الجزور ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت