الصفحة 14 من 103

وقفنا أمام غزوة بدر الكبرى، فعلمنا أن من أسباب النصر العظيمة تآلف القلوب وتراحمها، كان أصحاب النبي في قلة من العدد والعدة، ولكن كانت بينهم المحبة والصفاء والمودة، كانوا متراحمين متعاطفين متآلفين متكاتفين متناصرين متآزرين، شعارهم: لا إله إلا الله فسبحان من أعزهم وهم أذلاء، سبحان من أغناهم وهم فقراء، سبحان من رفعهم وهم وضعاء.

التآلف والتعاطف والتكاتف والتناصر والتآزر سبيل إلى نصر المؤمنين، طريق لعزة الأخيار والصالحين، فإن وجدت أهل الإسلام متعاطفين متراحمين فاعلم أن النصر حليفهم، وإن وجدتهم متقاطعين متباعدين متناحرين، إن مزقتهم الجماعات والحزبيات والرايات والشعارات فادمع على الإسلام بين أهله.

إن من أبرز سمات معركة بدر أنه تلاشت فيها العصبيات والقبليات وعبية الجاهلية، فلم يكن المسلمون ينتصرون لقبيلة أو لون أو جنسية، بل كانوا ينصرون الإسلام وأهله ويواجهون المشركين أعداء الله بغض النظر عما بينهم من خلافات إن وُجد بينهم خلافات، {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:76] . وهذا هو حال المسلم في كل مكان وزمان، ينصر إخوانه المسلمين ولو اختلفت ألسنتهم وألوانهم؛ لأنه بذلك ينصر الدين والعقيدة والملة، فالمسلمون يوم بدر قاتل الأخ أخاه والابن أباه، فلا مجال للمساومات؛ إذ العقيدة لا تقبل المساومات ولا التنازلات. ولقد استشار النبي الصحابة في أسرى بدر، فقال عمر له: أرى أن تمكّنّا فنضرب أعناقهم، فتمكِّن عليًّا من أخيه عقيل فيضرب عنقه، وتمكّنّي من فلان نسيبي فأضرب عنقه، وأشار أبو بكر على الرسول أن يقبل الفدية ففعل، فأنزل الله تعالى قوله: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } [الأنفال:67] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت