كان الرجل في الجاهليَّة إذا أعجَبَه الرجل ضمَّه إلى نفسه، وجعَل له نصيبَ الذكر من أولاده، وكان ينسب إليه فيقال: فلان بن فلان، فجاء الإسلام بنسخ ذلك؛ فأمَر أن يدعو إلى آبائهم إذا كانوا معروفين، فإن لم يكن له أبٌ معروف نسبوه إلى ولائه، فإن لم يكن له ولاء معروف قال له: يا أخي، يعني: في الدين؛ لقوله - تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، فيُقال: فلان أخو بني فلان.
يقول ابن كثير: أمَر - تعالى - بردِّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوانهم في الدين ومواليهم؛ أي: عوضًا عمَّا فاتهم من النسب؛ ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزيد بن حارثة: (( أنت أخونا ومولانا ) ).
أخرج الطبراني في"تفسيره بسنده إلى عيينة بن عبدالرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بكرة: قال الله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] ، فأنا ممَّن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين، قال: قال أبي: والله إني أظنُّه لو علم أنَّ أباه كان حمارًا لانتمى إليه [1] ."
وفي"سيرة ابن هشام":"كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قَدِمَا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل وفد ثقيف حين قُتِل عروة يريدان فراق ثقيف، وألاَّ يجامعاهم على شيء أبدًا فأسلَمَا، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( توليا مَن شئتما ) )، فقالا: نتولَّى الله ورسوله، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( وخالكما أبا سفيان بن حرب ) )، فقالا: وخالنا أبا سفيان بن حرب".
وبعدُ فهذه الجولة التي طَالَتْ وتناوَلَتْ موضوعات مهمَّة ومسائل جليلة في بر الوالدين، ثم حكم الرقيق، والعتق في السلام، وكان للموضوع استِطرادٌ ظهر فيه - على سرعةِ التناوُل - جمالُ الإسلام؛ فهو الوعاء الحقيقي للإنسانية يزيل عنها أخطاءها، ويرفَع عنها آصارها، ويَحنو عليها عند ضعفها؛ ليأخذ بيدها، ولا عَجَبَ فالإسلام دينُ الله الخالق، ودين الله الذي أعطَى كلَّ شيء خلَقَه ثم هدى، دين الله الذي يأخذ بالإنسان في كبوته؛ ليُخرِجه منها جوادًا شُجاعًا كريمًا، فإن كبَا العبد
(1) الطبري (21/ 121) .