والسؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاع الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إحداث التغيير في مجتمع هذا وضعه وإنسان هذا طبعه.؟
يقول الشيخ الندوي (27 [27] ) : بالإيمان الواسع العميق والتعليم النبوي المتقن، والتربية الحكيمة الدقيقة وبشخصيته الفذة وبفضل القرآن الكريم المعجز الذي لا تنقضي عجائبه ولا تخلق جدته، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإنسانية المحتضرة حياة جديدة واستطاع أن يغير أوضاعها جملة وتفصيلًا، لقد وضع صلى الله عليه وسلم مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب أصاب الجاهلية في قلبها وصميمها فقضى على عقيدتها الفاسدة واجتث أخلاقها الفاجرة وأقام على إثرها عقيدة التوحيد وأخلاق لا إله إلا الله الفاضلة، فأخرج بذلك أمة خير أمة أخرجت للناس.
والمنهج الذي أتبعه الرسول صلى الله عليه وأله وصحبه وسلم في التربية هو منهج القرآن فإذا كان منهج القرآن الكريم في التربية يمثل الجانب النظري إذا صح هذا التعبير فإن منهج النبي صلى الله عليه وسلم يمثل الجانب العملي. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قرأنًا يتحرك، وعندما سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالت: كان خلقه القرآن.
لقد كان للتغيير الذي أحدثه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في نفوس جيل الصحابة الرعيل الأول للأمة الإسلامية أثر بالغ في تغيير ملامح مستقبل البشرية، ويصف الشيخ الندوي (28 [28] ) هذا التغيير قائلًا (إن الانقلاب الذي أحدثه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشرية، وقد كان هذا الانقلاب غريبًا في كل شيء، غريبًا في سرعته وفي عمقه وفي شموله وفي وضوحه وقربه إلى الفهم) .
لقد استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم كل الطاقات الإنسانية لنشر دعوته وتحقيق المجتمع الذي أرسل من أجل بنائه وتحمل أنواع العذاب والجراحات للانتصار على الأعداء في كل مظهر من مظاهر الجهاد ضدهم (29 [29] ) .
لأن المعجزات الخارقة لم تكن طريقًا لدعوه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بل كان طريق دعوته تحريك العقل ودفع الإنسان إلى فهم نفسه وفهم ما حوله، وأدراك ما في الوجود من القوانين وأسرار ومحاولة اكتشافها لتسخيرها لصالحه وإقامة مجتمعه العادل عليها (30 [30] ) .
والدراسة الواعية لحياة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تعطينا البرهان القاطع على أنه ما من قانون من قوانين الحياة خلقه الله لأداء حق الأمانة والاستخلاف إلا أتبعه صلى الله عليه وآله وسلم لبناء المجتمع الإسلامي، سواء أكان ذلك في حياته الفردية أم في حياته الاجتماعية وسواء كان ذلك في سلم أم في حرب (31 [31] ) .
وقد كان من أهم خصائص منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التغيير والتربية هو توحيد الله في أسمائه وصفاته والإيمان باليوم الآخر وبالعقيدة عمومًا.
وكان منهجه صلى الله عليه وسلم في التغيير إلى جانب ذلك موضوعيًا موافقًا للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها، وقد كان نتيجة ذلك تزكية نفوس من شملهم ووصل إليهم منهج الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في التغيير والتربية.