المنهج القرآني في التغيير والتربية قائم على العقيدة حتى بعد رسوخها في أذهان أتباعها لم ينقطع الحديث عن العقيدة بانتهاء الفترة المكية بل استمر حتى بعد تكون الدولة المسلمة في المدينة المنورة. (21 [21] ) والفرق الوحيد بين منهج القرآن الكريم في التربية في العهدين المكي والمدني يتمثل في إضافة خطاب آخر إلى خطاب العقيدة، ففي العهد الملكي كان الخطاب واحدًا للمخاطبين بالقرآن الكريم تمثل في العقيدة، أما في العهد المدني فقد أضيف إليه خطاب آخر تمثل في التشريعات والتوجيهات والتوعية السياسية وإعداد العدة للجهاد، وبعد أن كان الخطاب القرآني في العهد المكي يلقن من أجل بناء الأساس صارفي العهد المدني يلقن من أجل تشييد البناء بعد أن ترسخت قواعده في العهد المكي. إلا أن استمرار تلقين الخطاب القرآني للمؤمنين بعد أن آمنوا أمر ذو دلاله مهمة لأن معناه أن هذا الخطاب درس لا ينتهي ولا ينقطع أبدًا مهما كانت حالة المؤمن من الإيمان فلا بد من التذكير الدائم حتى للمؤمنين (22 [22] ) .
والتأكيد على العقيدة حتى بعد رسوخها تعد إشارة واضحة إلى أن الشريعة بما تحمله من تكاليف وتوجيهات لا يمكن فصلها عن العقيدة كما أنها لا يمكن أن تلقى طريقها إلى التطبيق بصورة إيجابية بدون العقيدة.
وبارتباط العقيدة والشريعة نتج عنها المعرفة الإيجابية بالله سبحانه وتعالى التي افتقدتها البشرية في جاهليتها قبل الإسلام كما تفتقدها اليوم في كثير من جوانب حياتها المختلفة.
والعقيدة في بداية عهدها في العهد المكي كانت تهيئ الفرد على تحمل الأذى أما في عهد تأسيس الدولة وتشييد البناء فإن العقيدة ربت الفرد على تحمل المخاطر المتمثلة في الجهاد.
والجهاد يتطلب قيادة ولذلك جاءت التوجيهات لاحترام أولي الأمر وطاعتهم في غير معصية لله سبحانه وتعالى والعودة إليهم في كل مشكلة حتى لا تنتشر الفوضى في التصرفات الفردية الغير منضبطة. (23 [23] )
وفي العهد المدني عهد بناء المجتمع والدولة والحفاظ عليها بالجهاد تم وضع أسس للجوانب الأخلاقية بينت علاقة المجتمع بعضه ببعض وأسس للجوانب السياسية التي بينت علاقة الدولة والمجتمع المسلم باليهود والنصارى والمنافقين. بالإضافة إلى العديد من التوجيهات التي شملت جميع جوانب الحياة المختلفة التي كانت تنمو بسرعة في المجتمع الإسلامي الناشئ (24 [24] ) .
ثانيًا: منهج الرسول e في التربية والتغيير
لقد كان وضع البشرية يوم بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وضعًا يبعث على الحسرة، فبناء البشرية أصيب بزلزال مروع - كما يصف ذلك الندوي (25 [25] ) - نتج عنه خلل شديد فإذا بكل شيء فيه في غير محله فقد رأى مجتمعًا هو الصورة المصغرة للعالم كل شيء فيه في غير محله أصبح الذئب راعيًا والخصم قاضيًا وأصبح المجرم سعيدًا الحظ والصالح محرومًا شقيًا رأى الرذيلة والأخلاق الدنيئة هي السائدة والفضيلة والأخلاق النبيلة مستغربة ومنبوذة رأى ملوكًا ظالمة ورعية مستعبدة ورهبانًا وأحبارًا أصبحوا أربابًا من دون الله ورأى الأمم قطعانًا من الغنم ليس لها راع والسياسة كالجمل الهائج حبله على غاربه والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه وأولاده وإخوانه.
فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكما هي طبيعة الأنبياء من قبل بين الرأفة والرحمة فرأى إنسانًا قد هانت عليه إنسانيته رآه يسجد للحجر والشجر والنهر وكل ما لا يملك لنفسه النفع والضر رأى إنسانًا معكوساُ قد فسد نظام فكره فإذا النظري عنده بديهي والعكس. (26 [26] )