الصفحة 6 من 30

2 -كان منهج القرآن الكريم في العهد المكي يتركز حول تعريف الناس بالله واليوم الأخر وبقصص الأنبياء والمكذبين من قبل وبقصة آدم مع إبليس وبأخلاقيات لا إله إلا الله التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تحل محل أخلاق الجاهلية وكلها دروس في العقيدة. (7 [7] )

وإلى جانب التنديد بالشرك في العهد المكي ندد القرآن الكريم بأخلاق الجاهلية المنتكسة ومفاهيمها الجاهلية الهابطة ويضع في المقابل الأخلاق الإيمانية التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان السوي وهي متصلة بالعقيدة في الوقت نفسه لأن العقيدة الإسلامية ليست نظرية أو لاهوتًا يدرس إنما هي واقع سلوكي معين لابد أن يرى أثره في واقع الناس ومن ثم كانت لها أخلاقيات متصلة بها ومنبثقة عنها تشمل الحياة كلها وتضع لها منهجًا مفصلًا (8 [8] ) .

وهذا يتسق مع منهج القرآن الكريم في التربية الذي ربط كل تصرفات الإنسان وشئون حياته بالعقيدة لأنه لا يمكن أن يستقيم ذلك إلا بوجود العقيدة الحية الإيجابية المتمكنة من الوجدان والضمير التي تجعل سلوك الإنسان سويًا على الدوام دون انحراف أو زيغ.

3 -لمس القلوب واستجاش وجدانها إلى حقيقة الألوهية وهذه الحقيقة هي البوابة الرئيسة لعقيدة الفطرة التي أودعها الله في الفطرة لتنبهها إلى خالقها وتتوجه لله بالعبادة. (9 [9] )

لذلك كان القرآن أول ما يباشر اتصاله بالإنسان يبدأ بفطرته فيوقضها ويذكرها بما هو مغروس في أعماقها ليجد أنها معترفة بوجود الخالق العظيم فهي في ذلك لا تحتاج إلى دليل، والقرآن الكريم حين يوجه نداءه للفطرة لتفيق وتعتدل في الطريق فأول جانب يلفت نظرها إليه ويطلب منها فعله هو جانب العقيدة فيأخذ بيدها إلى مظهر الملك يتعمق بها في أسرار الملكوت ويسألها مع كل لمسة وهمسة ومع كل لفتة وإشارة من مربي هذا؟ فلا تملك إلا أن تقول الله. (10 [10] )

لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات، كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها. (11 [11] ) هذا بصفة عامة، وبصفة خاصة كان القرآن الكريم يخوض بالعقيدة معركة حية واقعية .. ومن ثم لم يكن شكل (النظرية) هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الخاص، إنما شكل المواجهة الحية للحواجز والمعوقات النفسية وغيرها وكان القرآن الكريم يواجه واقعًا بشريًا بكل ملابساته الحية ويخاطب البشرية بجملتها في خظم هذا الواقع. (12 [12] )

وكان القرآن الكريم وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة في تجمع عضوي حيوي وتكوين تنظيمي مباشر للحياة ممثل في الجماعة المسلمة نفسها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور (13 [13] ) .

4 -هدم العقائد الفاسدة في القلوب وفي مقدمتها الشرك، وأقام على أثرها بنيان العقيدة الصحيحة الصافية النقية، بأسلوب مقنع سلس يفهمه العامة والخاصة ويفهمه الناس على مختلف مستوياتهم، ( [14] 14) قائمًا على الإقناع العقلي مرتبطًا بإثارة الوجدان والعواطف والانفعالات الإنسانية، أنه طرق العقل والقلب معًا حيث بدأ أي القرآن الكريم من المحسوس المشهود المسلم به كالمطر، والرياح، والنبات، والرعد، والبرق، والشمس، والقمر ... ثم ينتقل إلى إثبات وجود الله وعظمة قدرته وصفات الكمال، مع استخدام أسلوب الاستفهام أحيانًا إما للتقريع وإما للتنبيه، وإما للتعجب، والتذكير بالجميل ونحو ذلك مما يثير في النفس الانفعالات الربانية: كالخضوع والشكر ومحبة الله ثم تأتي العبادات والسلوك الرفيع تطبيقًا عمليًا للأخلاق الربانية (15 [15] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت