تختلف هذه الدراسة عن البحث الحالي في كونها تتناول اهمية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع وأهدافها وسماتها التي تميزها عن سائر فلسفات التربية الأخرى والتحديات التي تواجه السعي لتطبيقها وتحد من نشاطها، بينما البحث الحالي يتناول عوامل نجاح التربية الإسلامية في تربية الصحابة، ومع ذلك تتفق هذه الدراسة مع البحث الحالي في تناولها لمجال التربية الإسلامية.
لعبت عوامل كثيرة في تربية الصحابة بعضها يعود إلى محتوى خطاب القرآن الكريم ومنهجه وطريقة معالجته لنفوس الصحابة، وبعضها يعود إلى منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التربية، والبعض الأخر يرجع إلى الصحابة أنفسهم، واقتصار مصادر تربيتهم على القرآن الكريم والسنة المطهرة بعيدًا عن أي مؤثر آخر.
وحتى لا يطول بنا الحديث في سرد هذه العوامل فإننا سوف نتطرق إليها باختصار وذلك على النحو التالي:
أولًا: منهج القرآن الكريم في التربية
تميز القرآن الكريم بمنهج فريد في التربية أتى أكله على خير ما يرام وظهر ذلك جليًا في جيل الصحابة الكرام خير أمة أخرجت للناس.
ومن سمات عظمة منهج القرآن الكريم في التغيير والتربية أنه كان يختار الزمان والمكان والحدث والبيئة المناسبة لإحداث التغيير بالإضافة إلى ظروف وأحوال الفرد والجماعة محل التغيير والتربية، ففي العهد المكي بظروفه وملابساته اتبع القرآن الكريم منهجًا معينًا للتغيير يتناسب مع ذلك العهد وفي العهد المدني كان للقرآن الكريم منهج يتناسب مع ذلك العهد (5 [5] ) وذلك على النحو الآتي:
أ- العهد المكي:
قامت عملية التغيير والتربية التي تبناها منهج القرآن الكريم في العهد المكي وفق خطوات محكمة ومتدرجة وذلك على النحو التالي:
1 -طرق الحس طرقات متتالية عنيفة قوية كان الهدف منها إيقاظ الحس البشري في ذلك الحين الموجه إليه خطاب التغيير القرآني ذلك الحس الذي طال سباته وأطبقت عليه الغفلة وغرق في أوحال الجاهلية وقد كانت الطرقات والصيحات والهزات العنيفة التي حملها الخطاب القرآني إلى مسامع المخاطبين في بداية عهده تتركز جميعها حول النظر والتفكر والتدبر المتعلقة بأمور العقيدة من توحيد الرب الخالق وإثبات الوحي ولفت الأنظار إلى النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في الأرض من نبات وحيوان وإلى مشاهدة هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح ومشاهد القيامة العنيفة الطامة والصاخة والقارعة والغاشية ومشاهد الحساب والجزاء صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها واتخاذها جميعًا دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة مع التقريع بها والتخويف والتحذير وأحيانًا تصاحبها صور من مصارع الغابرين المكذبين. (6 [6] )