4 -إدراك حقيقة الجاهلية وحقيقة الإسلام:
لقد عرف الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأدركوا حقيقة الجاهلية التي كانوا يعيشون فيها قبل إسلامهم، وكانت هذه المعرفة عميقة وحية وإيجابية وفي الوقت ذاته شاملة فلم تقتصر على جانب دون آخر وإنما شملت الشكل والمضمون وأبعاد الجاهلية ونتائجها، ولم تبرز هذه المعرفة لحقيقة الجاهلية إلا بمعرفة حقيقة الإسلام - (وبالأضداد تتميز الأشياء) - الذي تم التعرف عليه بصورة شاملة وإيجابية لمعطياته وأبعاده ونتائجه وعقيدته وأخلاقه فقدروه حق قدره. لقد كان تقديرهم للإسلام والانتماء إلية عظيمًا جدًا وفي الوقت نفسه كان تقديرهم للعودة للجاهلية مرة أخرى أو التخلق بأخلاقها أمرًا لا يمكن استساغته أو الاقتراب منه فقد ذاقوا حلاوة الإسلام كما ذاقوا مرارة الجاهلية، ومن هنا جاءت مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية) ولذلك كان تمسكهم بالإسلام شديدًا وتقديرهم له عظيمًا (61 [61] ) .
5 -التخلي التام والحاسم عن الجاهلية:
كان من بين العوامل المهمة في تربية جيل الصحابة، التخلي بصورة كاملة وحاسمة عن كل شيء له علاقة بحياة الجاهلية قبل ولوج حياة الإسلام، وكان يشعر الصحابي في اللحظة التي يجيء فيها إلى الإسلام أنه يبدأ عهدًا جديدًا منفصلًا عن حياته التي عاشها في الجاهلية إنه كان يدفن ماضيه الجاهلي ويعلن ميلادًا جديدًا وبهذا الإحساس كان يتلقى الإسلام (62 [62] ) .
لقد انقطعت صلة الصحابي تمامًا بالجاهلية واتصل اتصالًا تامًا وثيقًا بالحياة الإسلامية وتمثل هذا الانقطاع في العداوة للمجتمع الجاهلي وهجرة البيئة الجاهلية وعرفها وتصورها وعاداتها وروابطها التي محورها الشرك، وتمثل الاتصال بالحياة الإسلامية في عقيدة التوحيد الخالصة والتصور الإسلامي للوجود والحياة والولاء والطاعة والانقياد للإسلام (63 [63] ) والهوية الجديدة، بذلك تغلب على كل الرواسب والمعوقات التي من شأنها أن تجره إلى ماضيه الجاهلي شكلًا ومضمونًا.
وتولد عنده الرغبة الأكيدة الصادقة والحب والود والرحمة للعهد الجديد الذي أفتتحه بمعرفة الله حق المعرفة وبالتخلي عن الجاهلية والالتحام بالإسلام.
ومن هنا شعر في قرارة نفسه بحب شديد غامر لله سبحانه وتعالى فاق حب الدنيا وزينتها وكره الجاهلية أو العودة إليها وما يرتبط بها شكلًا ومضمونًا كما يكره أن يقذف في النار.
6 -استيعاب العقيدة:
تركت العقيدة الإسلامية التي تم استيعابها من قبل الصحابة أثرا"عظيمًا في تصورهم وسلوكهم، فبعد تبدد العقيدة الفاسدة في نفوسهم وحلت محلها العقيدة الصحيحة القائمة على التوحيد الخالص ظهر الأمر على حقيقته فتجسد الإله الواحد الحق للوجود وتلاشت صورة الأرباب التي كانت عالقة في أذهان الصحابة قبل معرفة الله تعالى المعرفة الحقيقية الإيجابية (64 [64] ) ."
ومن خلال العقيدة الصحيحة استطاع الصحابة رضي الله عنهم رؤية نور الحق وما ينطوي عليه من توحيد خالص قضى على ظلمه الباطل وما يحمله في طياته من شرك وأرباب تعبد من دون الله سبحانه وتعالى وبفعل العقيدة الصحيحة تحطمت القيود التي كانت مكبلة للصحابة قبل إسلامهم وتغيرت محاور الثقل الأكبر للعقيدة الصحيحة وتغيرت الصورة في الأذهان، فبعد أن كانت الصورة في أذهان الصحابة رضي الله عنهم قبل إسلامهم مبهمة غامضة غير ذات دلالة (65