لقد كان تعامل الصحابة مع القرآن الكريم روح وجوهر عملية التغيير التي أحدثها الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إيجابيًا، فقد كانوا يقرءون القرآن الكريم ويتلقونه على أساس أنه أمر الله سبحانه وتعالى الذي يجب أن يطاع في خاصة شأنهم وشأن الجماعة التي يعيشون فيها وشأن الحياة التي يحيونها ليعملوا به فور سماعه، إنه باختصار التلقي للتنفيذ وليس للمتعة أو الترف أو الترويح الوجداني أو التبرك. وهذا الشعور أفضى إلى اختلاط القرآن الكريم بذواتهم وتحول القرآن في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف، إنما تتحول آثارًا وأحداثًا وتحول بموجبها خط السير في الحياة (56 [56] ) .
نعم إنه حّول السير في الحياة من الجاهلية الجائرة الغاشمة إلى حياة إسلامية راقية وعادلة، وبذلك حدث التغيير النوعي الهائل الفريد الذي لم يسبق له مثيل عبر التاريخ لا القديم ولا الحديث ولا المعاصر لا في مدته الزمنية ولا في آثاره وانعكاساته.
إن روح الإسلام ممثلًا في القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يتمثل في الإقبال عليه بهدف العمل به واتخاذه منهج حياة (57 [57] ) يهتدي بنوره ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويقتفى أثر حامله ومبلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
2 -إحساس الصحابة بعظمة المتلقي منه وعلو قدره ومكانته:
أحدث القرآن الكريم وقدوة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لجيل الصحابة تزكية لكل جوانب حياتهم، تحول الجيل الأمي إلى جيل يفيض علمًا وحكمة، وتحول بذلك حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم من سوء حال وقمة في الضلال والجاهلية إلى أحسن حال وقمة في التزكية والعلم والحكمة (58 [58] ) . وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يمثل الجانب التطبيقي للقرآن الكريم، لذلك أمر الله تبارك وتعالى باقتفاء أثرة والتزام طريقته وجعل ذلك دليلًا على الإيمان الحق قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم، قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين) . آل عمران 31،32
كما اعتبر عز وجل احترام الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وتوقيره وإتباع هدية الطريق الموصل إلى الهدى والنجاة، قال تعالى (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وأتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ... ) الأعراف 157،158.
3 -تلقي القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالسليقة والوصول إلى أعماقهما دون تكلف:
من العوامل التي أثرت في تربية جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم تلقيهم للقرآن الكريم وهدي الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بسليقتهم، ووصلوا إلى أعماقهما دون تكلف، فإذا نظرنا إلى ربعي بن عامر وهو من سكان البادية يكلم قائد الفرس ويقول له قولته المشهورة: جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ... ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ... من أين فهم الرجل هذا الكلام؟ إنه من نضح القرآن على نفسه وهدى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (59 [59] ) ومن هنا أوجد القرآن والعرض الحسن له من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أناسًا استطاعوا أن يرتفعوا فوق مستوى عقل الفرس، وعقل الروم، على الرغم من امتلاكهم لكيان مادي قوي، وعندما تعامل العرب معهم ما كانت هناك عقدة نقص أبدًا عند العرب، بل كان هناك استعلاء إيماني والذي صنع هذا في نفوسهم هو القرآن الكريم (60 [60] ) .