وفي الوقت نفسه ميلاد الدولة الإسلامية حيث امتلكت مقومات قيامها والمتمثلة في الأرض والأمة بعد طول معاناة استغرقت ثلاثة عشر عامًا.
وإذا كان منهج القرآن ومنهج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في العهد المكي قد ركزا جهودهما على إيجاد العقيدة النقية الصحيحة القائمة على التوحيد، وهي الأساس الأول للتربية الإسلامية فإن المؤاخاة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار كانت بمثابة تدريب عملي على (الأخوة الإسلامية) التي بعثتها العقيدة الإسلامية في نفوس المؤمنين بها (47 [47] ) (إنما المؤمنون أخوة) سورة الحجرات آية10.
وكانت كذلك تدريبا عمليًا على التكافل وهو من المعاني العميقة في بناء الجماعة المسلمة حيث يتولى القادرون على أساس الأخوة في الله من جانب وعلى أساس التصرف في مال الله بما يرضي الله من جانب آخر، لأن العقيدة تربي المسلمين على أن المال الذي في أيديهم هو مال الله في الحقيقة، هو الذي وهبه وإن شاء أخذه وهو الذي ملكه لمن ملكه له، ومن ثم يختفي الجشع، وما دام آمن بهذا الدين فإن الدين قد جعل للمحتاجين إليه في المجتمع المسلم حقًا فينفق المسلم جزءًا من ماله برضاء تام وقناعة بل يشعر بالارتياح عندما ينفق ذلك.
وهذا الإنفاق يشمل الزكاة المفروضة والصدقات المتروكة للتطوع التي لها مقدار محدد وبذلك يتحقق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم والذي سبق أن تحقق في أول بناء شيد في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (48 [48] ) .
وبالإخاء بين المؤمنين مهاجرين وأنصار الذي بناه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأشرف على تنفيذ البناء بنفسه ذابت العصبيات الجاهلية فلا حمية إلا للإسلام وسقطت فوارق النسب واللون والوطن فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بتقواه، وجعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأخوة عقدًا نافذًا ارتبط بالتضحية والإيثار، وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة (49 [49] ) .
وهكذا استطاع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهدي القرآن والحكمة التي أهداه الله إياها أن يوجد هذه الأخوة الحقة التي لم تشهد تكرارًا في صورة جيل وإن تكررت بصورة فردية عبر التاريخ.
2 -بناء المسجد:
بعد أن فرغ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بناء العقيدة النقية في نفوس أصحابه وإيجاد الأخوة الإسلامية شرع في بناء المسجد الذي تم من خلاله رفع نداء عقيدة التوحيد التي طالما حوربت وإقامة الصلوات التي تربط الإنسان بخالقه وتنقي القلب من أدران الأرض ودسائس الحياة الدنيا، ويتردد عليه المسلمون في اليوم والليلة خمس مرات تزيد من ألفتهم وأخوتهم واعتصامهم بحبل الله (50 [50] ) وهو إلى جانب ذلك مدرسة للتعليم والتربية والتوجيه الروحي والمادي.
3 -بناء الأسرة المسلمة:
بعد أن تم بناء الفرد جاء الدور على بناء المجتمع وكان الاهتمام بالأسرة كبيرًا باعتبارها القاعدة التي يقوم عليها المجتمع وكان منهج الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فريدًا في بناء الأسرة وربط أفرادها بعلاقات وطيدة قائمة على المحبة والرأفة والمودة والرحمة، وأرسى لها القرآن دعائم ثابتة واضحة المعالم وحدد لكل طرف فيها ماله وما عليه من حقوق وواجبات وضمن للجميع حياة آمنة مستقرة (51 [51] ) .