الصفحة 12 من 30

الحرب والسلم ففي غزوة الخندق كان يحفر بيده الشريفة مع أصحابه وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وكان لهذه القدوة أكبر الأثر في نفوس الصحابة وتجلت عظمة أثر هذه القدوة عندما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في صلح الحديبية أن يتحللوا من العمرة فلم ينفذوا وعندما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لزوجه أم سلمة (هلك الناس أمرتهم فلم ينفذوا) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالت له (أفعل أنت ذلك حتى إذا فعلت فعلوا) وبالفعل عندما رأى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم باشر ذلك قاموا على الفور وفعلوا مثل ما فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتأثير القدوة في نفوس الناس أمر طبيعي لأنها نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع لأنها رغبة ملحة تدفع الإنسان مهما كان عمره إلى محاكاة سلوك من هو في موضع القدوة (40 [40] ) .

والقدوة الناجح هو الذي يتطابق قوله مع فعله وهذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتميز به، لذلك وصف بأن خلقه كان القرآن وكان قرآنًا يتحرك. والقدوة الحسنة في أبسط معانيها تعني الشخصية المتكاملة السوية التي يتطابق قولها مع فعلها وفي المقابل نجد القدوة السيئة بخلاف ذلك. ولذلك حث الله عز وجل على إتباع القدوة الحسنة ممثلة في شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحذر من القدوة السيئة ممثلة في المنافقين في كل زمان ومكان. وإذا كان القرآن الكريم قد حث على إتباع القدوة الحسنة في أكثر من موضع نجده في المقابل يحذر من القدوة السيئة في أكثر من موضع أيضًا ومن أمثال ذلك العتاب الموجه إلى بني إسرائيل عندما كانوا قدوة سيئة لمن يدعونهم (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة آية 44 .. وحذر المؤمنين من أن يكون سلوكهم كذلك فقال (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) الصف آية 2 - 4.

3 -البيئة الصالحة:

للبيئة أهمية كبيرة وأثر بالغ في إحداث عملية التغيير، ولذلك فإن أي تغيير لا يمكن أن يحقق أهدافه كاملة بدون إيجاد البيئة التي تتقبل التغيير المطلوب إحداثه.

ومن هنا لم يهمل الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم دور البيئة في إحداث التغيير، لأن البيئة تترك في نفس الفرد المراد تغييره أثرًا كبيرًا لأنها المدرسة التي يأخذ عنها الإنسان عاداته وتقاليده والبيئة الفاسدة تدعو إلى الفساد والإنسان بطبعه ضعيف (خلق الإنسان ضعيفا) النساء آية 28.

ويندر أن يقاوم الإنسان عوامل الفتنة والإغراء ومن الصعب تكليفه بالاعتدال والمجتمع الذي يعيش فيه منغمس في الفسق والفجور لذلك عمل الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الوهلة الأولى لدعوة التغيير على إيجاد البيئة الصالحة والمناسبة لدعوته ولم يفرض الله سبحانه وتعالى ما فرض من حدود إلا بعد أن تم إيجاد هذه البيئة (41 [41] ) .

وقد مر منهج الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من أجل إيجاد هذه البيئة بمرحلتين على النحو الآتي:

المرحلة الأولى:

كانت البيئة التي وجد فيها الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في مكة تعارض بشدة التغيير الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (42 [42] ) ، الأمر الذي جعل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يفكر في إيجاد البيئة الصالحة والمناسبة لدعوته وقد تم إيجاد هذه البيئة على النحو التالي (43 [43] ) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت