فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 80

وفي مطعم يعتاده حين يتخلف في القاهرة، تناول غداءه بنهم، وإن لم يشعر بما يذوق. ثم انتقل إلى مشرب هاديء يستريح إلى هدوئه. وجلس يرتقب الميعاد.

ولكن الساعة لا تزال الثالثة. وأمامه ساعتان طويلتان. فأين ينفق ذلك الوقت الطويل؟ وثقل عليه الزمن - كما ثقل عليه الطعام - وفارقه نشاطه وخفته، وبدأ يجثم على صدره نوع من الكآبة تسرب إلى نفسه من حيث لا يدري. وفي هذا الجو الذي استحال كامدًا بعد فترة، أخذت تتوارد على خواطره صور الأمس القريب: يداها وهي ترتعش في يده، ودمعتها تندّ من عينيها، وخلوتها بعد انصراف المدعوين، واعترافها له بالأشواك، فيشعر بهوة عميقة تفصل بينه وبينها. وهنا يحس بيد تقبض أعصابه وتضغطها، فينتفض كمن يريد الخلاص.

ويثقل عليه جو المكان وهدوؤه، والظلال التي تبعثها الأنوار الملونة المضاءة نهارًا في الركن الذي آوى إليه، ويحس انه يلتقط أنفاسه بصعوبة، فينتفض واقفًا كما يفاجأ بخطر، ويتناول أوراقه وجرائده، ثم ينطلق مسرعا إلى الشارع، كالذي يفر من شيء مخيف! ثم يسير في الطريق خطوات سريعة بعض الشيء، ثم يهديء سرعته قليلًا، وهو يتطلع إلى بعض واجهات المتاجر الزجاجية في غير انتباه.

وفجأة يقف أمام دكانة روائح عطرية، ويتفحص الزجاجات الأنيقة، فتعجبه إحداها. وفجأة تهتف به خواطره بأن يختار واحدة منها هدية، فيدب في كيانه النشاط المرح، وتنجلي عنه الغمرة الثقيلة، ويشعر في جسده بالخفة والانتعاش.

ولم يطل لحديث بينه وبين البائع. فقد اختار زجاجة على هيئة قلب، من عطر فرنسي قديم التعبئة (كما كتب على الزجاجة) ونقده الثمن المرتفع بعض الشيء، وأخذها في علبتها الأنيقة وخرج ....

خرج فرحان كالطفل باللعبة الجديدة. وسار وفي يده الزجاجة يمسكها بحرص واحتراس. واندفعت خطواتته مرحه نشيطة قافزة. ولكن إلى غير اتجاه ...

كان سائرًا في الشارع وهو نشوان، فكان كالمفاجأة له أن ينظر فيرى الترام الذي يركبه إلى هناك، وكاد يقفز لولا أنه استيقظ إلى أن الموعد بعيد. فترك الترام يمضي وفي نفسه شوق ملهوف!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت