وقال زميله الذي لقيه في الصباح:
= يبدو أنها محادثة سارة. لقد أشرق محياك!
قال وهو يتلعثم ويضحك ويضبط شفتيه في آن:
= نعم (وبلا سابق إنذار) .... إنها خطيبتي!
وأثار هذا التصريح عاصفة بين الزملاء: قال أحدهم: مبروك!. وقال الآخر: لم تدعنا إلى الحفلة!. وقال الثالث: ولا أخذنا (( الملبس ) )! وقال أحدهم: والله وقعت يا أخانا في النهاية، وجاءت رجلك!. فرد عليه زميله: اسكت .. المهم أن لا تفوتنا الحفلة الثانية ولا (( الملبّس ) )!
ووجد نفسه يقول في دعابة وبشر وانطلاق:
= اطمئنوا .. فلن يفوتكم شيء إن شاء الله.
وكانت هذه الفترة وتلك الضجة، كفيلتين باسترجاع اتزانه. فتحرك يغادر الحجرة لا يدري إلى أي اتجاه. ولكنه يسير بخطوات سريعة قافزة نشيطة، يقطع المشي الطويل أمام الحجر حيث لا يتبيّن له قصدا، فيرتد يقطعه كرة أخرى!
وثقلت عليه ساعات الديوان - وإن كان غير مقيد بالمواعيد - فظل يغالب رغبته في الخروج - وإن كان لا يدري إلى أين يخرج - حتى بقى على الموعد الرسمي ثلاثة أرباع الساعة. وهنا أفتت منه أعصابه، واستعصى عليه البقاء. فخرج إلى الفضاء!
وحينما وجد نفسه خارج الديوان، واجهته مشكلة الاتجاه: أين يذهب الآن؟ إلى منزله ليتناول الغداء، ثم يعود في الميعاد!
وسار بضع خطوات، ولكن جاذبا قويا كان في نفسه يشده عن المسير، فعاد أدراجه حتى وقف أمام الديوان ...
ولم لا يتغدى في المدينة، ويستريح في مقهى، حتى يأتي الميعاد؟
واندفع في هذا الاتجاه .. وشعر بأنه استراح إليه! إنه هنا في المدينة يكون قريبًا من الدار!
وأحس انه سعيد .. وغابت عن حسه الأشواك. وسار في خطوات خفيفة، مشرق النفس، نشيط الجسم، مفتح الحواس.