فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 80

عندئذ فاضت نفسه رقة لها وعطفا عليها، وراح يطمئنها على ثقته بها، ويبرئها مما ترمي به نفسها. وبعد فترة على هذه الوتيرة من الحديث، عاد إليها اطمئنانها، وارتدت إليها بشاشتها، وتوهجت عيناها بذلك البريق الجذاب العجيب، وخيل إليه أنه غسل ما في نفسها وغسل ما في نفسه، وأنهما يرفان طليقين في سماء الحياة.

وكان الليل قد أقبل، وخيم الظلام على الحي - فقد كان ذلك في عهد الظلام التام أيام الغارات - ولم تحضر الخادمة بالصبي.

وبدأ قلب الأم يقلق ثم أخذت تتساءل عن سبب غيبة الصبي والخادمة ... ولم يمض وقت طويل حتى انقلب التساؤل حيرة .. وتطورت الحيرة لهفة، شملت الأم والفتاة، وشملته معهما بطبيعة الحال.

وحين بلغت الثامنة ولم يعودا انقلب الجو إلى قلق لا يطاق، وسيطرت المخاوف لسوداء على قلوب الثلاثة، ولم يبق شك في أن حادثا سيئا وقع للصبي والخادمة، أو للصبي وحده، فخافت الخادمة أن تعود.

وفي مثل هذه الحالات تصنع المخيلة أوهاما متلاحقة تخلخل الأعصاب.

وكان عليه هو أن يتماسك ليمسك بالمرأتين في حالة معقولة، ولكنه في قرارة نفسه كان يحس بالخطر فقال:

=سأخرج للبحث عنهما في الطريق إلى المتنزه

ووجد من أعينهما تصديقا حارا على الاقتراح، فخرج، وراح بقطع الطريق إلى المتنزه متلفتا محدقا في الظلام، متمنيا أن يعثر على الصبي الذي يحبه، والذي تحبه فتاته كأمها على السواء .. ولكنه عاد بعد أن قطع الطريق مرتين دون أن يعثر عليهما.

وكانت عودته نذيرا بانطلاق الأوهام السود التي كانت تصدها الأم، ولا تعترف لها بالوجود.

قالت:

= انتهى ولدي. اسم الله عليك يا سوسو! .. وانهل دمعها المكبوت، فشرقت مثلها الفتاة بالدموع، وبدا في عينيها ألم جازع مفزوع.

ووجد نفسه يقول:

= لا لا .. لا قدر الله. ومع ذلك - فمن باب الاحتياط - سأذهب إلى قسم البوليس للسؤال!

وكان مجرد ذكره للسؤال في القسم كافيا لتثبيت مخاوف الأم وتأكيدها، فصرخت صرخة خافته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت