وفي مثل هذه الهواجس، التي كان يصاحبها في نفسه .. هم ثقيل وهمود كئيب.
قطع الطريق الطويل بين دارها وداره، حتى إذا وصل لم تكن فيه بقية من النشاط للصراع والتفكير فاستلقى مهدودا فنام!.
وأصبح الصباح فإذا هو يجد له نفسا جديدة غير التي نام بها. لقد صحا وفي نفسه صفاء هاديء وصوفية شفيفة ... إنه يعطف على الفتاة عطفا هادئا رفيقا. لقد صارعت أشواكها وقاومت ماضيها، ولقد ألقت بنفسها بعد هذا كله إليه، مجردة من كل ستار، عارية من كل رداء. وبالأمس ألقت بنفسها كلها إليه، واستسلمت لأحضانه .. أنثى كاملة تستسلم للرجل الذي تختاره، فما باله لا يزال بعد هذا كله يذكرها بالأشواك، ويحيطها بالشكوك، ويحرجها بالاتهام؟ لها الله!.
وأحس عندئذ بالصفاء الهادئ يفارقه، وبالصوفية الشفيفة تتخلى عنه، وأجدّت له هذه الخواطر شوقا جارفا شديدا، ورأى نفسه يعبر عن هذا الشوق بشعر حار ملهوف
وحينما جاء موعده اليومي كان قد أنفق كل رصيده من الصبر، فانطلق إلى الدار ترف كل جوارحه هوى إليها، وصعد السلم قافزا لاهثا. فلما كان أمام الباب وقف يلتقط أنفاسه قبل أن يضغط زر الجرس ....
وجاءت الخادم ففتحت الباب، وبيدها الطفل الصغير - أخو الفتاة - وكان يحبه حبا جما لخفة دمه، ورشاقة حركته، وحلاوة حديثه. وكانت الخادم خارجة به للرياضة في منتزه قريب .. فتناوله بكلتا يديه، وقبله قبلة حارة عنيفة! ثم سأله عن (( سميرة ) )،
فقال الطفل في شيء من التخابث:
= عايزها؟
= أيوه
قال:
= كانت تبكي ...
ولا يدري كيف استقبل هذه الكلمة؟ تألم لها ما في هذا شك. ولكنه شعر بارتياح غامض .... تبكي؟ إذن في نفسها من حديث الأمس بقية. وإن بكاءها ليؤلمه، ولكن أوَلا يدل هذا على أن المسألة في نفسها باتت جدًا، وأنه يؤذيها ما يثور في نفسه حولها من شكوك؟
وتنبه لهذا الشعور في نفسه فعده شعورا أثيما! .. أوَ يريحه أن تتألم الفتاة لمجرد استيثاقه أن الأمر بينهما قد صار جدا؟! ثم يزعم أنه يحبها؟ يحبها أو يحب نفسه؟ ومع ذلك يصف نفسه بالإيثار!