قالت:
= متعب أو غضبان؟ أظنك ستأتي الليلة على كل حال!
قال:
= طبعا سأحضر الليلة كعادتي!
وسلمت وسلم، وانقطع الحديث، وانطلقت في كيانه موجة من النشاط.
وفي المساء كان يقصد إلى الدار، وليس في خياله إلا صورتها المرحة الوثابة، وإلا صوتها الشجي الطروب. واستقبلته متهللة، وقبل أن يجتاز الممر وراء الباب - وكانت يدها لا تزال في يده -
قالت:
= كنت الليلة خائفة ... ولكم تمنيت لو تجيء في الظلام!
وأحس أن الدنيا لا تسعه من الفرح، فضغط يدها بحراره، فتأودت وهي يشد يدها في يده، وبدت فتنة جارفة لا تحتملها الأعصاب!
وانطلقت بعد قليل إلى البيانو توقع عليه اللحن المسحور، فغمرت روحه نشوة عجيبة، وانسربت خواطره تراود أحلاما ذهبية، وأحس بسعادة تضيء روحه بنور وهاج، وتحلق به في واد من التيه بعيد.
وبعد أن استعادها مرة ومرة، على عادته كلما سمع اللحن المسحور، أعلنت في دعابة ساحرة أنها لم تعيد العزف، ونهضت واقفة وانفلتت من الحجرة كالحورية الهاربة. أو كالغزال الشرود. وكان معه في الحجرة أبوها وأمها وأخوها الشاب، ورآها تذهب نحو مرافق المياه، فتظاهر بعد برهة بأنه ذاهب إلى المرافق - وكانت له الحرية في أن يذهب ويروح حيثما يشاء - وكان يفصل المرافق عن الحجرات ممر طويل ضيق ...
وفي منتصف الممر قابها راجعة. ولا يذكر أنه رآها كما رآها هذه الليلة. كانت متوهجة يخيل إلى الرائي أنها تتوقد، كما يخيل إليه أن كل نفسها منافذ، تتلقى منها الأضواء والأصداء، وتشع منها الطاقة والحرارة!.